فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 413

واحدة. ومع ذلك حافظت «العصبة» على خط قومي صارم «يرفض الاعتراف بشرعية الحدود الإقليمية التي اختطتها القوات الأجنبية» ، وعملت على «إنشاء نظام حديث لدولة تتضمن بناء سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا ممكن التطبيق» . كما حاولت صياغة مبدأ قومي منتظم من خلال الإسهام في تعريف كل من القومية والأمة بصورة واضحة. وقدمت برنامجا شاملًا للعمل القومي لا في المشرق العربي فحسب بل في مصر والأجزاء الأخرى من الوطن العربي أيضًا. وكان علي ناصر الدين أحد أبرز أعضائها القياديين. وهكذا أصبح الطريق سالكًا لمفكر عربي آخر، بعد نهاية الحرب الثانية، هو ساطع الحصري الذي دعا إلى رفض القطرية وجعل من القومية العربية مفهومًا ينسحب ليشمل كل الذين يتكلمون اللغة العربية مصر وشمال أفريقيا. ولأن أفكاره ذات علاقة بمراحل الاحتجاج القومي أكثر من اهتمامها بمهام البناء القومي فلم تعالج «أطروحاته النواحي الاقتصادية والاجتماعية» [1] . وبخلاف ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار مؤسسا حزب البعث اللذان ربطا بين القومية السياسية والقومية الاجتماعية بعيدًا عن الاستعمار ظل قسطنطين زريق قانعًا بالقومية العربية الداعية إلى الاستفادة من الغرب على أساس مفاهيم التقدم ونبذ الانغلاق الاجتماعي والفساد والتخلف.

من الواضح أن القومية مفهوم غلب عليه المحتوى السياسي والمحتوى الاجتماعي. ولولا الظروف السياسية التي رافقت نشأة حركة القوميين العرب والتي بلغت ذروتها في سقوط فلسطين لما عملت الحركة «بثلثي نظرية البعث» . فالتحرر السياسي كان هو المبدأ الذي طغى على أيديولوجيا «المؤسسين» . وهؤلاء هم جزء من تيارات قومية تصارعت طويلًا قبل أن تحسم «النكبة» ، وتشق، المحتوى النظري للقومية كمفهوم يشتمل على التحرر السياسي والتحرر الاجتماعي. وكان الأخذ في الشق الأول من النظرية «وحدة، تحرر» يعني إغفال الشق الآخر «الاشتراكية» . ولكن إذا لم يكن ثمة أيديولوجيا، فكيف بررت الحركة وجودها؟

في الواقع، تبدو عملية البحث عن أيديولوجيا للحركة عقيمة إلا في حالة توليد ما يمكن أن يتصف بسمات أيديولوجية. أي بمستويات أيديولوجية أكثر منها منظومة أيديولوجية. وهذا يعني أننا قد نقع على ممارسة سياسية ذات أبعاد أيديولوجية محدودة لأن وصف الحركة بكونها وليدة ردود الفعل على سقوط فلسطين مرده، فعلًا، «نشأتها التنظيمية» [2] البحتة. فقد «اهتم مؤسسوها منذ البداية بالعمل المباشر والفوري ذي الطابع التحريضي .. وإذا كانت قد شهدت توسعًا تنظيميًا ولعبت أدوارا سياسية وعسكرية متفاوتة الأهمية خلال مراحل وجودها المختلفة، فإن الجانب الفكري في حياتها ظل معدومًا. لقد كانت تنظيمًا بلا رأس مفكر ولم يكن جورج حبش أكثر من رأس منظم ... » [3] . هذه الخلاصة التي يقترحها فيصل جلول تمكن من تشخيص نشأة الحركة وتطورها وانهيارها. وتوازي تمييز باسل الكبيسي لثلاث مراحل أيديولوجية مرت بها الحركة هي القومية والاشتراكية والماركسية - اللينينية. وفي هذا السياق لا سبيل إلى فحصها إلا في ضوء علاقة الحركة بالأحزاب السياسية وموقفها من التيارات الأيديولوجية القائمة.

(1) الكبيسي (باسل) .- حركة القوميين العرب - مرجع سابق / ص 15 - 10.

(2) يلاحظ ذلك في إفراد"الكبيسي"فصلا خاصا للهيكل التنظيمي ووسائل العمل التنظيمي وتراتبيته العمودية الصارمة والبالغة السرية.

(3) جلول (فيصل) .- حركة القوميين العرب ... - مرجع سابق - ص 183.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت