? الجرحى
اتبعت الثورة تقليدا مميزا إزاء المقاتلين الذين يصابوا بجروح تسبب لهم إعاقات جسدية بأن يُفرَزوا إلى المؤسسات ذات الطابع المدني كالأجهزة الإعلامية ومعامل أبناء الشهداء «مؤسسة صامد» أو العمل في المكاتب الإدارية. وفي خضم الحرب الأهلية فقدت السرية الطلابية نحوا من 40 مقاتلا في مقدمتهم قائد السرية سعد جرادات. كما أصيب الكثيرون بجراح من بينهم مروان الكيالي ومحمد التميمي وعلي أبو طوق. وأثناء تلقيهم العلاج في المستشفيات اتُّبعت معايير تقضي بفرض حظر تام على حركة الجريح لمنعه من المشاركة بأي نشاط ريثما يتجاوز مرحلة العلاج سواء داخل المستشفى أو خارجه. وكان يُفرز له، أثناء إصابته وعلاجه، من يساعده على قضاء شئونه وحاجاته إذا كان عاجزا حتى يتماثل للشفاء. ويُنظر إليه على أنه أدى واجبه بالكامل، وان إصابته وسام شرف له حتى لا يشعر أنه بات عالة على غيره أو أنه طريح الفراش فيما يتعرض زملاءه للمخاطر والمشاق. بمعنى آخر إبقاء معنوياته عالية وفي نفس الوقت نزع الشعور بتأنيب الضمير لديه والمحافظة على سلامته وحياته. أما القادة فكانوا يعودون الجرحى باستمرار ويحثونهم على الالتزام بالتعليمات وقضاء مرحلة العلاج اللازمة فيما هم يخرقون ما يحثون على الالتزام به كما فعل علي أبو طوق غير مرة ومحمد التميمي اللذان غادرا المستشفى قبل شفائهما. وظلا يعانيان من هذه النزعة في الاستهتار بفترة العلاج حتى اغتيلا [1] علما أن «أبو طوق» أصيب عديد المرات.
إن ماركسية التيار هي انعكاس لتلك الأيديولوجيا التي راجت في المشرق العربي خلال الستينات وبلغت ذروتها غداة حرب العام 1967. إذ نجحت في استيطان الخطابات الأيديولوجية كافة ابتداء من حركة القوميين العرب التي دُكّت تحت مطرقة الماركسية ومرورا بحزب البعث الذي أثخنه المنجل جراحا، وانتهاء بالمنظمات الفلسطينية المقاتلة التي مثلت الماركسية القوابل القانونية لبعض كبرياتها والمرشد للبعض الآخر. أما حركة «فتح» التي عبرت عن سعة وطنية تشمل جميع الأيديولوجيات والعقائد لتشكل ائتلافا فريدا يقبل بالخطاب العام للحركة، فقد أخذت تئن تحت وطأة الجموع الزاحفة من الحركة الطلابية موطن انتعاش الماركسية، والعناصر الحزبية المهاجرة باتجاهها، مفسحة المجال لتكتل ماركسي تَشكل منه التيار العام المعارض الذي نجح في فرض أطروحاته على الحركة مطلع السبعينات لما أدخل إلى المؤتمر العام الثالث للحركة (1971) مفهومي «القيادة الجماعية» و «المركزية الديمقراطية» . وفي هذا السياق كان «العامل المساعد» أحد الأجنحة الماركسية. ولكن أزمة المقاومة وصراع التيارات داخل «فتح» نبهته إلى خطورة المس بـ «المنطلقات» . فارجع الماركسية - اللينينية إلى الوراء لتستعمل من قِبَلِه مرشدا في تطبيق «المنطلقات» . وطبقا لما تشير به النظرية، وبعبارة حاسمة بأنها «دليل للعمل وليس عقيدة جامدة» . هذا التوظيف والاستعمال للماركسية يعني:
(1) شفيق (منير) .- شهداء ومسيرة - ص 105.