البلدان العربية، أو من أمكنة أخرى، كانوا يتشاورون فيما بينهم للمرة الأولى بهدف مركزة نشاطاتهم ومحورتها. وفي هذا المؤتمر الضيق جرى التأسيس الشكلي لما سيصبح في أقل من عشر سنوات، أقوى منظمة عرفتها فلسطين غير أن مجموع المناضلين الممثلين في هذا المؤتمر لم يكن يبلغ الخمسماية شخص» [1] .
ولكن إذا بقينا في إطار هذه الأطروحة فإن التدقيق في عدد المشاركين (بضعة) ومتابعة أقوال «خلف» ستؤدي إلى الاقتراب من أطروحة «الوزير» . إذ يتحدث «خلف» عن «البرنامج السياسي، بحصر المعنى .. والذي يحدد أن الخيارات الكبرى للحركة قد وقع إقرارها في مطلع العام1958. وأن هذه الوثيقة تعكس الإجماع الذي كنا قد توصلنا إليه .. خلال سنوات الخمسين في القاهرة وغزة» . إذ كانت حركة «فتح» على ما يبدو، قائمة قبل هذا التاريخ (1959) وأن اللقاء المعني استهدف «إيقاف منظمة فتح على قدميها» وليس تأسيسها، والهدف لم يكن سوى: «إعداد عدة وثائق جرت الموافقة عليها خلال اجتماعات تشرين الأول هذه وتدور .. حول بنى الحركة ونظامها الداخلي واستراتيجيتها وتكتيكها ووسائل عمل وتمويل الثورة التي سنكون القابلة التي تولدها» ، والمقصود بذلك الانطلاقة المسلحة إذ: «اتضحت .. الكيفية التي سيجري تجنيد وإعداد الأطر والكوادر على أساسها» [2] .
إلى هنا يبدو أن أن رواية «الوزير» صحيحة، ولا يبدو ثمة تعارض مع رواية خالد الحسن التي يقول فيها أن «خليل الوزير هو الرجل الأول الذي بدأ فتح» . ومن المؤكد أن حديث «الحسن» عن «البداية» لم يكن ليعن «التأسيس» . وعلى الأرجح فإن ما قصده هو مباشرة «الوزير» لأول جهد سياسي/ إعلامي لحركة «فتح» لما غادر الكويت متوجهًا إلى لبنان ليبشر بالحركة الفلسطينية الجديدة من على صفحات مجلة «فلسطيننا» . وهذا سيؤدي إلى الحسم بأمرين الأول: إن التأريخ التأسيسي الذي أورده «خلف» كان يتصل بالبداية وليس بالتأسيس، إذ من غير المعقول أن يكون اللقاء التأسيسي في ذات الوقت الذي صدرت فيه مجلة فلسطيننا والتي احتاج صدورها إلى جهود سابقة مضنية والثاني: إن حديث «الحسن» عن نشأة «فتح» النهائية سنتي 1962/ 1963 يتصل لا بالبداية ولا بالتأسيس، إنما بتوسع الحركة تنظيميًا، وهو ما سنعرض له تاليًا، خاصة وأن أول مؤتمر عقدته الحركة كان في شهر كانون الثاني/ يناير سنة1961.
لما استقر الرأي خلال احتلال غزة على بعث حركة فلسطينية كان الطلبة في مصر على وشك التخرج، وكان البحث عن عمل مُيسّرًا آنذاك للمتعلمين لاسيما وأن طريق الخليج سالكة، ولكن لماذا نلحظ أن معظم المؤسسين استقروا في الخليج؟ يفسر «خلف» و «الحسن» ذلك بالحاجة إلى التمويل، فقد «كنا في ذلك الوقت نتضور جوعًا» [3] . حتى أن ياسر عرفات أوعز لـ «خلف» بالبحث له عن وظيفة في إحدى دول الخليج. وهكذا كان،
(1) خلف (صلاح) .- ... بلا هوية - مرجع سابق - ص 61.
(2) نفس المرجع.- نفس الصفحة.
(3) كوبان (هيلينا) .- المنظمة تحت المجهر - مرجع سابق - ص 52.