فهرس الكتاب

الصفحة 323 من 413

توحي بذلك مقالة فهمي الهويدي [1] فضلا عن التوجه نحو أفغانستان بقيادة الشيخ عبد الله عزام الذي نجح في عولمة التيار الجهادي العالمي.

?. المأسسة الدينية والاجتماعية

إن عزوف «الإخوان المسلمين» في غزة عن خوض تجربة معسكرات الشيوخ، لعدم جدواها، تبرير يحتاج إلى التحقق منه. لأن الجماعة هناك هي التي بدأت ببناء المؤسسات الدينية لاسيما المساجد ثم المؤسسات الإدارية ثم توجهت في مهمة إحياء ديني. ويشير أحد قادة «حماس» ممن أُبعدوا في بداية اندلاع الانتفاضة إلى الفترة ما بين سنتي 1967 - 1975 بأنها «مرحلة المساجد» [2] . ومن الواضح أن أولويات الجماعة في غزة اختلفت عن أولوياتها في الضفة الغربية. ولا شك أن عوامل جغرافية وسياسية أثّرت على التوجهات. إذ أن سكان الضفة الغربية منفتحون على العالم الخارجي عبر المملكة الأردنية الهاشمية التي وفرت لهم امتيازات وغطاء سياسيا مكنهم من حرية الحركة والاتصال بينما سكان غزة ظلوا مقيدين بمصر وبمحدودية الحركة نظرا لحيازتهم وثائق سفر خاصة لا جنسية. فكان التوجه نحو الفلسفة الإصلاحية هو تعبير عن الانكفاء إلى «الداخل» الفلسطيني. بمعنى أن القيود هي التي أجبرت، نسبيا، الجماعة في غزة على تفريغ طاقاتها في الإحياء الديني. والسؤال هو: هل يمثل هذا

التوجه استجابة لحاجات المجتمع للخطاب الديني؟

لا ريب أن المجتمع الفلسطيني، كما المجتمعات العربية والإسلامية الأخرى، وأكثر من ذلك، تعرض إلى موجة ثقافة تغريبية وفدت مع الأفكار العلمانية الرأسمالية والماركسية والدهرية، مما غير الكثير من القيم والمسلكيات الاجتماعية التقليدية التي تسببت بانفصام أو صراع ثقافي بين ما هو وافد وما هو موروث. الأمر الذي مس بمكانة الدين في المجتمع. فقد جرى التعامل معه باعتباره أحد المكونات الثقافية وليس المكون الأساسي أو الوحيد كما هو في إطار المفهوم الحضاري للإسلام الذي يوسع من محتوى المجتمع المسلم ليشمل اليهود والمسيحيين الذين عاشوا وتطوروا في كنف الحضارة الإسلامية. وعكس تفكك المجتمع الفلسطيني جغرافيا وديمغرافيا وتوزعه على الشتات تفككا مماثلا في المنظومات الثقافية والدينية والقيمية ووحدة التصور والاعتقاد والرموز والهوية جراء غياب السلطة المركزية التي من مهامها إيلاء الدين الأهمية التي يستحقها. فتنازعت المسألة الثقافية في فلسطين هويات وولاءات متعددة ومتناقضة، جاهر الكثير منها بالاعتراف بالدولة اليهودية متجاهلا حتى حقوقه التاريخية. وفصلت بين الدين والمجتمع وحولته إلى أيديولوجيا كسائر الأيديولوجيات السائدة في أحسن الأحوال.

(1) صحيفة الأهرام القاهرية - 8/ 12/1987. وكذلك المصدر أعلاه - ص 8.

(2) صحيفة الأنباء الكويتية - مقابلة مع خليل القوقا أول قيادي لحماس يبعد خلال الشهور الأولى للانتفاضة، وأول حوار يجري مع حركة"حماس"- 8/ 10/1988.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت