فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 413

ولا شك أن هذه المواقف ستظل كذلك طالما ظلت الماركسية الأيديولوجية تُنَمط الثورات في مراحل تاريخية ووفقا لمحتويات أيديولوجية. وهذا ما لا ينطبق على الثورة الفلسطينية التي انطلقت بهدف البحث عن الحق في استعادة الهوية لا بهدف البحث عن «الاتساق بين النظام الاجتماعي والنظام السياسي» ولا بهدف تحقيق «العدالة الاجتماعية» . فالمسألة هنا تتصل بحركة تحرر لا تمتلك مجتمع ولا دولة بحيث يشكلان مجالا للصراع الاجتماعي أو للتناقضات، فضلا عن أن مثل هذه المسائل يقع تأجيلها إلى ما بعد التخلص من الاستعمار.

من طبيعة الاستعمار كقوة مهيمنة أنه لا يتقبل، حيثما حل، حتى تقاسما للثروة والموارد مع البلد المستعمَر، ولا شك أن التوحش الرأسمالي سيؤدي مع مرور الوقت إلى توسيع القاعدة الاجتماعية المناهضة له بالقدر الذي تستنزف فيه الموارد والثروات ويعجز النظام الاجتماعي والاقتصادي التقليدي عن التعايش مع النظام الاستعماري بكل مدخلاته. وكلما أوغلت الإدارة الاستعمارية في المساس بالقوى الاجتماعية المحايدة أو المتواطئة أو الحليفة لها كلما انفرط عقد النظام بحيث لا يتبق منه شيء للدفاع عنه إلى الدرجة التي تنفجر فيها كل منظومة للعلاقات مخلفة وراءها في كل مرة سلسلة من الاحتجاجات الأشد عنفا لتنتهي بصيغة ثورة شاملة ضد الوجود الاستعماري برمته.

هذا ما تعرضت له معظم شعوب العالم الثالث التي خضعت لهيمنة استعمارية مباشرة بما في ذلك المجتمعات العربية مع اختلاف الشكل الاستعماري وأهدافه من بلد لآخر. ففي كوبا، مثلا، كان الاستعمار شبه مباشر ولكنه مجسد بسلطة محلية تابعة للولايات المتحدة الأمريكية، وفي فيتنام وكوريا سلطة استعمارية مباشرة وتقسيم للبلاد، وفي الجزائر سلطة مماثلة واستيطانية تتنكر حتى لهوية الأرض والإنسان ... إلخ لذا فالمهام الوطنية للثورة والخطاب الأيديولوجي ووسائل التحرر من الاستعمار، في مثل هذه البلدان، ستختلف باختلاف الشكل الاستعماري القائم، إلا أنها جميعا لم تختلف على منهج واحد في التعامل مع القوى الاستعمارية بلجوئها إلى الكفاح المسلح كوسيلة تتمتع بالأولوية لفك الارتباط السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي معها.

ولما يحظى هدف التخلص من الاستعمار المباشر أو غير المباشر بالأولوية على ما عداه من الأهداف فإننا سنكون بصدد الافتراق بين الثورة وحركة التحرر. فالثورة في المفهوم التقليدي، آنف الذكر، عبرت عن سلسلة من الشروط كأن تشكل انتصاراتها وإنجازاتها حدثا فريدا وإضافة إنسانية، في مستوى حقوق الإنسان، تتعدى منافعها مجالها الاجتماعي والجغرافي فتؤثر في محيطها الإقليمي والدولي، وبالتالي يصبح ما حققته من مبادئ وحقوق وامتيازات ملكا للإنسانية وليس لصانعيها فقط. أما حركة التحرر فهي ليست أكثر من ثورة باحثة، كليا أو جزئيا، إما عن الحق في الوجود وتقرير المصير والاستقلال والكرامة الوطنية أو عن مقاومة الاضطهاد الاجتماعي والاقتصادي والعنصري والاستيطاني أو عن التحكم بالثروات الوطنية والموارد. هكذا؛ فحركة التحرر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت