الأولى. وفي هذا السياق تساءل ميشيل عفلق عن غاية الحزب من الكفاح الشعبي المسلح وما إذا كان نقصًا يراد سده أو أنه مجاراة لحركات ومنظمات أخرى؟ ويخلص إلى القول أن: «الاستنتاج المنطقي هو أن الحزب .. ليس فيه نقص من ناحية معينة هي ناحية الكفاح المسلح، وإنما .. مقصر منذ زمن في كل نواحيه، وهذا ما حجب عنه رؤية الحاجة الأساسية إلى الكفاح المسلح وأهمية معركة فلسطين في الثورة العربية، وانشغل بأمور ثانوية بالنسبة إلى المعركة» ، ويذهب «عفلق» إلى أبعد من ذلك في الغاية من تشكيل الجبهة حين يقول: «فالحزب عندما يبادر إلى تشكيل الجبهة إنما يريد لا سد نقص معين فيه وإنما الشفاء من أمراضه كلها .. يريد أن يولد ولادة جديدة سلمية .. لأن الجبهة ليست جزءً من عمله، ليست الجزء العسكري، ولا .. القتالي، ولا .. الفلسطيني، وإنما هي الحزب بإرادته في الانبعاث .. إرادة التصحيح الشامل والعميق في أوضاعه» [1] .
من الواضح أن رؤية «عفلق» تعني شيء واحدًا هو نقض تام لوسائل الكفاح غير المسلح الذي عمل به الحزب كغيره من الحركات القومية العربية لأكثر من ربع قرن فـ «الصيغة التي كان يعمل فيها الحزب في جميع منظماته وفي جميع أقطاره .. فقدت الحياة ولم تعد ناجعة ولا ناجحة» [2] أما الجبهة «فهي الحزب حتى يتجدد وإذا تجدد الحزب تجددت الثورة العربية» [3] . ولكن هذا لا يعني أن تكون أيديولوجيا الجبهة غير أيديولوجيا الحزب حتى لو كانت منظمة فدائية. أي تعتنق الكفاح المسلح كعقيدة عمل، وعلى العكس من ذلك فعلى الصعيد النظري، وليس العملي، «ليس للجبهة أية أيديولوجيا منفصلة عن أيديولوجيا الحزب، إذ أن فكرها نابع من العقيدة العربية الثورية التي رفع رايتها حزبنا وناضل من أجلها منذ أكثر من ربع قرن. والتراث الفكري الذي تنتجه الجبهة ما هو إلا تفصيل لفكر الحزب بقضية فلسطين» [4] . إذن، كيف تفاعلت الجبهة مع شعار الحزب «وحدة، حرية، اشتراكية» ؟
تُعَرّف الجبهة على أنها منظمة فدائية ذات طابع جبهوي وتركيب قومي وفكر ثوري. ولتحديد هويتها الأيديولوجية نكتفي بالانطلاق من العبارة الأخيرة. فماذا يعني أن الجبهة ذات فكر ثوري؟ إذا كانت الجبهة بعثية المنشأ فهي بلا شك ستربط بين شكلين من النضال. الشكل التقليدي الذي يربط بين النضال السياسي والاجتماعي الذي قام عليه الحزب تاريخيًا وبين النضال المسلح الذي تبناه بعد الهزيمة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن «الكفاح المسلح» بات الميكانيزم الذي يتحرك بتأثيره شعار الحزب «وحدة، حرية، اشتراكية» . فأي معنى اكتسبته المفاهيم الثلاثة؟
(1) عفلق (ميشيل) .- نقطة البداية ... - مرجع سابق - الطبعة الاولى، كانون ثاني / يناير 1971 / ص 139 - 140.
(2) نفس المرجع.- ص 142.
(3) نفس المرجع.- ص 144.
(4) نفس المرجع.- الطبعة الثانية - ص 118.