إلى هنا علينا أن نتساءل إذا كانت الغالبية الساحقة من قيادات المنظمات الفلسطينية تنتمي إلى الطبقات البرجوازية الصغيرة فهل يمكن أن تنجح في تأهيل الطبقة العاملة؟ ربما يكون الجواب بالإيجاب إذا ما تبنت البرجوازية الصغيرة أيديولوجيًا الطبقة العاملة. ولكن هل يمكن أن تخلع البرجوازية الصغيرة جلدها؟ وتتنازل عن امتيازاتها كطبقة قائدة؟ [1] وعلى أية أسس جرى توصيف بعض شرائح البرجوازية الصغيرة بـ «المعدمة» ؟ وإذا كانت برجوازية؛ فكيف يمكن أن تكون معدمة!؟
كان على حركة «فتح» بوصفها التنظيم القائد لحركة المقاومة الفلسطينية والمتربعة على رأس التيار المستقل أن تجيب على التحدي الأيديولوجي الذي يطرحه التياران اليساريان الماركسي - اللينيني والقومي- البعثي. ولأن «فتح» لا تحتكم في فعالياتها السياسية والتنظيمية إلى أيديولوجيا معينة فقد جاءت ردودها على الأطروحات الأيديولوجية الأخرى في صيغة تصريحات عبّر عنها قادة في الحركة أو إصدارات لمثقفين تولوا مهمة الدفاع عنها سياسيًا وأيديولوجيًا، ونخص بالذكر من هؤلاء صلاح خلف، خالد الحسن، كمال عدوان، ناجي علوش ومنير شفيق وغيرهم. وكان عليهم أن يجيبوا على إشكاليتين أساسيتين، الأولى تتصل بالتصنيف الطبقي المعياري الذي عبر عنه اليسار الماركسي اللينيني. ومن الواضح أن «فتح» تتفق والجبهتين «الشعبية» و «الديمقراطية» بأن المرحلة هي مرحلة تحرير وطني تلتزم بإقصاء الثورة الاجتماعية عن فعالياتها. ولكن هل تقبل منهج الفرز الطبقي طبقًا للإطار النظري الذي احتواه؟ والثانية تتصل، علاوة على الفرز الطبقي ذي المحتوى الماركسي، بإشكالية تلازم مرحلتي التحرير الوطني والتحرر الاجتماعي التي عبرت عنها منظمتي التيار القومي - البعثي خاصة جبهة التحرير العربية.
1.المقاربة الأولى: الفرز الطبقي
إذا كان ترك الحزبية أحد أسباب نشأة «فتح» فمن الطبيعي أن تتجاهل الحركة كل أيديولوجيا أيا كان مصدرها لاسيما الأيديولوجيا الماركسية اللينينية كونها تؤدي إلى تقسيم الفلسطينيين وتشتيت جهودهم في وقت تدعو فيه إلى توحيد الشعب الفلسطيني وتوظيف طاقاته من أجل إنجاز مهمة التحرير الوطني. كما أنه من الصعب على حركة وطنية ولدت من رحم جماعة «الإخوان المسلمين» ولا زال الكثير من قادتها على علاقة بالجماعة أن تتبنى أيديولوجية تدير ظهرها للدين والعادات والتقاليد الاجتماعية الموروثة، هذا من حيث المبدأ والواقع بشكل عام. وبالرغم من عدم توفر أية أطروحة أيديولوجية عن مجتمع الثورة عند حركة «فتح» إلا أنه ليس من الصعوبة تحديده في ضوء التكون التاريخي السياسي والأيديولوجي حيث لم يثبت ممارسة الحركة لأي جهد عملي ينطوي، ضمنا، على تحقيق تمايز طبقي أو يؤدي إليه. وحتى لو كانت التركيبة الاجتماعية للحركة
(1) حبذا لو كانت المقارنة مع واحد من أفضل الكتب النقدية التي صدرت مؤخرًا حول المسار العام للحركة الوطنية الفلسطينية: جابر (عدنان) .- الثوب والعنب (في سوسيولوجيا الثورة الفلسطينية) - مطبعة نضر - دمشق، سوريا - الطبعة الأولى، نيسان / أفريل 1994.