المساومة ولا يتسامح مع اليهودي الغاصب والمضطّهِد باعتباره الغريم الأول للمسلم والـ {أشد عداوة للذين آمنوا} . هكذا فإن المتغير الكمي لم يعد يشكل معيارا صحيحا للتقييم في بعض الحالات مثلما تشكله فاعلية الأعضاء ومدى حصانتهم العقدية وقدرتهم على التأثير في مجريات الصراع والكفاح الفلسطيني.
نشطت الجماعة الإسلامية في التواصل مع الخارج فكريا عبر الكتابة. فقد ألف أحمد مهنا كتابا من 350 صفحة بعنوان: «الجهاد فريضة شرعية وضرورة حركية» ، طُبع ونُشر في الضفة الغربية سنة 1986 بعد الإفراج عنه. ومنذ صدرت مجلتا «الطليعة» و «المختار الإسلامي» التابعتين لـ «الجهاد الإسلامي» ظهرت مقالات على صفحاتها لعدد من السجناء مثل عبد الله الزق، أحمد مهنا، مصباح الصوري، إبراهيم النجار. وعلى صعيد العلاقات مع الفعاليات الإسلامية الجهادية في فلسطين المحتلة سنة 1948 تعرف أعضاء الجماعة على أعضاء تنظيم «أسرة الجهاد الإسلامي» ومؤسسها الشيخ عبد الله نمر درويش والشيخ فريد أبو مخ اللذان اكتُشف أمرهم وأدخلوا إلى السجون سنتي 1980/ 1981 [1] .
غير أن العلاقة الحاسمة التي سيكون لها الأثر العظيم في تاريخ الشعب الفلسطيني ستكون مع اثنين من مؤسسي الجماعة هما حافظ الدلقموني ويوسف عجوري وهما العضويين القياديين في الجبهة الشعبية- القيادة العامة. إذ أصبحت قوة الجماعة الإسلامية في السجون بيد هذين الرجلين ورهن نشاطاتهما. ففي أول عملية تبادل للأسرى بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل سنة 1979 أفرج عن «الدلقموني» و «عجوري» والتحقا مجددا في صفوف منظمتهما. ولعلهما المسؤولان عن إحداث التحول الأيديولوجي داخل «الجبهة» من الماركسية إلى الإسلام. ويمكن ملاحظة مظاهر التحول في مستوى الخطاب الإعلامي والسياسي للجبهة، والذي تبثه إذاعة القدس التابعة لها، ومن خلال المطبوعات الصادرة عنها، وحتى في مستوى تطور العلاقات مع إيران والحركات الإسلامية الجهادية. وبهذا التحول تكون هذه المنظمة الأولى في التاريخ السياسي الراهن للحركة الوطنية الفلسطينية التي تنتقل من الماركسية إلى الإسلام أو على الأقل تتخلى عنها.
وفي أواخر سنة 1983 أفرجت إسرائيل عن نحو5700 أسير فلسطيني وعربي من معتقل «أنصار» الذي أقامته في لبنان إبان غزوها له سنة 1982 مقابل ستة جنود إسرائيليين من أصل ثمانية أسرتهم مجموعة من حركة «فتح» ينتمي بعض أفرادها إلى كتيبة الجرمق «السرية الطلابية» . بيد أن إسرائيل لم تفرج إلا عن 63 سجينا من سجون الداخل من أصل مائة سجين، حسب الاتفاق، ودون أن تسمح لأي منهم في البقاء بين ذويه. وكان من بين المفرج عنهم اثنان من أقدم قيادات الجماعة وهما جبر عمار وعبد الله حلّس. أما الجنديين الإسرائيليين الباقيين فقد وقعا تحت سيطرة «القيادة العامة» خطأ. وكانا سببا في أنجح عملية تبادل للأسرى بين
(1) مقابلة مع سجين رفض ذكر اسمه - مصدر سابق.