? تبعا لسياسة التحاور مع السجناء والتي أتبعتها إسرائيل بهدف «تخريب العقول» أو لثني الحركة الأسيرة عن مواقفها وتفكيك الخطاب الحضاري والأيديولوجي والمعتقدات والطموحات التي ناضلت من أجلها ودخلت في ظلمات السجون والبؤس طمعا في تحقيقها. ونتج عن هذه السياسة ما يسميه البعض بـ «عقلية السجين» [1] .
هذان النمطان من التدخل خاصة النمط الثاني أديا إلى انقسام الحركة الأسيرة بين معارض ومؤيد ولا مبالي لفرضية إسرائيلية تقوم على الترويج لمبدأ «التعايش السلمي» مع الوجود اليهودي في فلسطين [2] . ولا أدل على تجليات الانقسام من أن العديد من المبادرات السياسية السلمية قد أُفرج عنها من بين جدران السجون. فقد وطّأت إسرائيل لخطة «تخريب العقول» بتجنيد العملاء ودسهم في السجون للتجسس على السجناء ومعرفة توجهاتهم وأفكارهم وطموحاتهم ولمراقبة اتصالاتهم أو للكشف عن معلومات أو نوايا خفية تساعد في ضرب الكفاح المسلح الفلسطيني وشلّ فاعليته. وفي المرحلة التالية شرعت بتنظيم مقابلات مكثفة مع السجناء برعاية محاضرين ومحققين متمرسين وعلماء نفس واجتماع ومؤرخين بهدف حملهم على تغيير مواقفهم إزاء اليهود ووجود الدولة اليهودية. وحرص هؤلاء على استعمال المرونة ولغة حوار تركز على تهييج المسألة العاطفية لدى الخصم وإيهامه بأنه خصم عنيد لليهود لا مثيل له حتى بين أقرانه العرب والمسلمين. أو بمعنى آخر تضخيم الشخصية الفلسطينية وترقيتها بحيث تبدو لذاتها الشخصية الوحيدة المؤهلة لمواجهة الشخصية اليهودية. لذا وإزاء محدودية الشخصيات الأخرى العربية والإسلامية فإن معاناة طرفي الصراع الكبيرين (الفلسطيني واليهودي) تحتم عليهما تكثيف الحوار واستمراره من أجل غاية إنسانية مشتركة تحقن الدماء وتؤدي إلى إشاعة السلام والتفاهم والعدل بدلا من الحروب والظلم الذي يدفع الطرفان ثمنه.
وفي الواقع ثمة صعوبة في تفسير التحول في المواقف لدى المئآت من السجناء خارج هذا السياق حتى أن بعضهم انتمى إلى حركات إسلامية جهادية. وخطورة هذا «التخريب للعقول» أنه انساب ببطء وفاعلية بين السجناء ومن خلالهم، عبر امتداداتهم التنظيمية والحراك الاجتماعي للسجناء الجدد أو المفرج عنهم عبر المجتمع. ونجم عن التراكم الكمي لعقلية السجين الجديدة تحييد شرائح من مجتمع السجون وتعطيل جانبا من الخبرات التي اكتسبتها على مر السنين. وبدلا من تفعيلها وتوظيفها في الكفاح الوطني أُخرجت من أية دوافع انتقامية محتملة وأُحل محلها دوافع أخرى كالحوار السياسي بدلا من المواجهة. وسادت السجون حالات متنوعة من الانقسامات واختلاف الرؤى وغدت الحركة الأسيرة مفككة ومنقادة دون أن تجني حتى ثمار تحولها. فالسجين ظل سجينا، ولم يسعفه موقفه الجديد في استعادة حريته. ومن هنا، بالضبط، يغدو العدد المحدود والمتصاعد لـ «الجماعة الإسلامية» داخل السجون ذو أهمية بالغة بالنظر إلى محدودية تأثير «الحوار السياسي» على الغالبية الساحقة واحتفاظ أعضاء الجماعة بالرصيد المكتسب بما يشتمل عليه من مخزون عقدي جهادي لا يقبل
(1) محمد (خلدون) :"الخط الثالث"في فتح ... من هو وهل يصنع مستقبل الحركة؟ - مجلة فلسطين المسلمة - لندن، المملكة المتحدة - آذار/ مارس 1994 - ص 26.
(2) والواقع أن نفس الفرضية طبقت بأشكال أخرى على الفعاليات السياسية والمؤسسات الوطنية والمدنية خارج السجون، راجع أيضا: نفس المرجع السابق.