وفي مصر، فقد غادرها «الشقاقي» بمرارة ولكنه ترك بصمات واضحة على التيارات الجهادية فيها في مستوى الفكر الجهادي. إذ كان محمد عبد السلام فرج مؤلف الكتيب الشهير «الفريضة الغائبة» يعتبر نفسه تلميذا له. وفي هذا السياق علينا أن نرى في هذا الكتيب ومحتوياته جزء من أفكار «الشقاقي» وطموحاته [1] فضلا عن أنه ربط علاقات تنظيمية بين مجموعات طلبته وتنظيمات الجهاد في مصر لكسب الخبرات التنظيمية وتوسيع إطار العلاقات والنشاطات. بيد أن طموحاته تكسرت على عتبة بعض التنظيمات الجهادية المصرية التي أصرت على اعتبار مصر هي المنطلق لأي تغيير إسلامي منشود ووجهت كل فعالياتها الأيديولوجية والتنظيمية والإستراتيجية نحو إقامة الدولة الإسلامية في مصر نواة دولة الخلافة التي ستنطلق نحو تحرير الأراضي الإسلامية ونصرة المسلمين أينما كانوا. وهذا الطرح يخالف ما يخطط له «الشقاقي» وزملاؤه من تحويل فلسطين إلى قضية مركزية وبؤرة تستقطب اهتمام كافة الحركات الإسلامية في العالم. وتستحوذ على جهودها الضائعة وفعالياتها. أو كما يرد في «المنهج» جعل فلسطين «همًا إسلاميا» [2] لا فلسطينيا فحسب.
لا شك أن «الشقاقي» أصيب بخيبة أمل بسبب العناد الذي أبدته جماعات الجهاد المصرية إزاء اعتبار فلسطين منطلق المشروع الإسلامي الجهادي؛ فقفل عائدا إلى القدس سنة 1979 فور انتهاء دراسته ليمارس مهنة الطب. وليس معلوما على وجه التحديد لماذا ترك وظيفته الثمينة كطبيب في وكالة الغوث الدولية والانتقال إلى غزة ليمارس المهنة في عيادة خاصة به وبالمجان في بعض الأحايين. ولكن في الفترة ما بين 1979 - 1980 ينبغي أن نتربص بعودة أفواج الطلبة، الذين بدؤوا يعودون إلى الأراضي المحتلة بعد تخرجهم، وبالذات إلى غزة حيث ينشط «الشقاقي» في الأثناء ببث الأفكار الجهادية لاسيما بين طلبة الجامعات أين شرع بعض الخريجين الجدد ينشطون أيضا. وكان عليه وزملائه أن يوظفوا ما تجمع لديهم من خبرات تنظيمية في مصر. وأن يركزوا على خلق حالة جماهيرية فلسطينية واسعة تعوض ما خسروه وتستعصي على القمع والاضطهاد أو التصفية السريعة.
باختصار كان عليهم أن يهتموا بترويج ثقافة جهادية شعبية لا تنظيمية تجنبا لنهاية مفجعة كما حصل لتنظيم الكلية الفنية العسكرية في مصر. فالتجربة كانت حاضرة في ذهن «الشقاقي» وزملائه. إذ أن الخبرة
(1) العودة بالدرجة الأساس إلى: إبراهيم (فتحي) .- مقدمة حول مركزية فلسطين ... المنهج - مصدر سابق.
(2) وقد ظل موقف تنظيمات الجهاد في مصر ثابتا حتى بعد انطلاقة الظاهرة الجهادية في فلسطين. ويمكن مقارنة ذلك في ملخصات الوثائق السابقة وتاريخ صدورها لاسيما الوثيقة السابعة.