سيساعدنا على التعرف على علاقة الفرع الفلسطيني بالجماعة الأم قبل النكبة (1948) وعن مصيره بعدها. وكذلك التعرف على «الجناح» المسؤول عن تأسيس حركة «حماس» وعلاقته بالأجنحة الأخرى أو بالفروع وبالجماعة الأم. وكذا التنبؤ بمصير الحركة في ظل هذه العلاقات وغيرها.
يلاحظ الراصد لنشأة الحركة الإسلامية في فلسطين أنها مثلت، في الغالب، امتدادا لمثيلتها في الخارج بكل ما تشتمل عليه من تيارات سلفية جهادية أو غير جهادية. وبالرغم من تأثر الحركة الإسلامية بالفعل الإسلامي الفلسطيني في أكثر من مناسبة قوية جدًا [1] إلا أن مصر احتفظت بالثقل التاريخي للحركة لجهة النشأة والفعاليات حينما لعبت دور المؤسس والرافد والمجال الحيوي لاختبار أنشطة الجماعات الإسلامية على اختلاف دعواتها.
إن جمعية الشبان المسلمين التي قصد من تأسيسها (1927) لتكون حركة عالمية تماثل جمعيات الشبان المسيحية كانت أول نموذج إسلامي مصري النشأة يعبر الحدود باتجاه فلسطين بعد عام واحد على التأسيس بجهود مؤسسها الدكتور عبد الحميد سعيد الذي تكررت زياراته لفلسطين لتوسيع نطاق الجمعية التنظيمي. وبعد تأسيس أول جمعية في مدينة يافا وُجِّهَت بمعية «النادي الرياضي» فيها و «النادي العربي» في نابلس و «نادي الإخاء الإسلامي» في غزة الدعوة لانعقاد المؤتمر التأسيسي في يافا في 18/ 4/1928 والذي اشتُهر بمؤتمر الأندية الرياضية. وتمخض المؤتمر عن عشرة قرارات استجابت للائحة الجمعية الأم الداخلية والداعية إلى عدم الاشتغال بالسياسة أو التدخل في الشؤون السياسية. وانصبت القرارات على أهمية انتشار التعليم وترقيته ومساعدة التعليم العالي وتشجيع الكشافة والفنون بالإضافة إلى القرارات الداخلية للجمعية. وما أن عقد المؤتمر العام الثاني للجمعية (2،3/ 5/1929) حتى كان لها ثلاثة عشر فرعا في اثنتي عشرة مدينة ومنطقة في فلسطين. ثم ارتفع العدد في وقت لاحق إلى عشرين فرعا [2] . وخلال المؤتمر الثاني توسعت اهتماماتها لتحث على تشجيع الإنتاج الوطني وإدخال التعليم الزراعي في القرى والمراكز الزراعية وإدخال التعليم الصناعي والتجاري في المدن وإيفاد بعثات علمية إلى الخارج. وترافقت هذه المقررات ذات الصبغة الوطنية مع الاضطرابات العنيفة التي عمت فلسطين آنذاك وعرفت بـ «هبة البراق» مما أدى إلى غضب السلطة الانتدابية التي شلّت تدخلاتها المباشرة وغير
(1) (يذكر عل ى سبيل المثال: المؤتمر الإسلامي العام الذي دعا إليه مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني وانعقد في القدس سنة 1931 بمشاركة 145 مندوبًا عن البلدان العربية والإسلامية مثلوا مشاهير الشخصيات الإسلامية العالمية بما لم يسبق له مثيل. وسنرى لاحقا أهمية المؤتمر. وحزب التحرير الإسلامي الذي أسسه الشيخ النبهاني أصيل مدينة حيفا الفلسطينية سنة 1952. وانتشر في البلدان العربية قاطبة بسرعة مذهلة. ومثل خطرا شديدا على الأنظمة السياسية فيها بفضل معتقداته. وتنظيم الجهاد الذي أسسه الدكتور صالح سرية في مصر وأجبر الجماعات الإسلامية على وجوب الحسم في مسألة الجهاد الأمر الذي أدى إلى ظهور تنظيمات الجهاد في مصر.
(2) الحوت (بيان نويهض) .- القيادات والمؤسسات السياسية ... مرجع سابق - ص 189.