فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 413

لا شك أن أغرب ظاهرة اجتماعية تمخض عنها اللجوء هي ظهور المخيم [1] . وهذه الظاهرة الاجتماعية توازي في غرابتها قيام الدولة اليهودية ذاتها على أرض فلسطين. فما حصل للفلسطينيين في مجتمعهم هو قلع اجتماعي وليس حراكًا سكانيًا داخليًا وإن كان قسريًا. ولعله لم يسبق للمجتمع الفلسطيني ولا لأي مجتمع عربي أن شهد في تاريخه ظاهرة تماثل ظاهرة المخيم، لذا ولد المخيم غريبًا عن المجتمعات العربية ولا يزال مثلما هي الدولة اليهودية غريبة في جوف المجتمعات العربية. وحقيقة أن المخيمات تبدو نتوءات بارزة ليس أيسر من التعرف عليها. وفي وقت قياسي يمكن أن نقدم وصفًا نموذجيا للمخيم أنى كان موقعه. فكل المخيمات إلا ما ندر، هي من فعل وكالة الغوث الدولية - الانروا. لذا فهي تتماثل في المبنى الهيكلي العام لها وفي الوحدات السكنية وسعتها وفي الموقع وملكية الأرض والتقسيمات الهيكلية للمنازل والطرقات والأزقة والمؤسسات ومواقعها والخدمات وتوزيع الإعالات الاقتصادية على ساكنيها.

هكذا يمكن القول أن المخيم يقوم على مساحة صغيرة من الأرض لا تتعدى بضعة مئات من الدونمات، إلا قليلًا منها، تنحدر من على ربوة أو ربوتين، أو تنبسط على سهل في قاع المدينة محاط بتلال منها قريبة منه أو محاذية له وبعضها تبدو بعيدة عنه. وتعود ملكية الأرض إلى الحكومات التي قامت بتأجيرها للأنروا أو إلى بعض العائلات أو أنها كانت أصلًا معسكرات للجيش. و ببطء شديد كانت الخيام تستبدل بالطوب أو اللّبن المصنوع من التراب. فبنيت الوحدات السكنية المكونة من غرفة أو غرفتين، وفي أحسن الأحوال تشتمل على مساحة تمسح بضعة مترات مربعة ودون أية خدمات كهربائية أو مائية أو منشآت للصرف الصحي. أما سقوف الغرف فكانت من القصب المغطى بالإسمنت أو من ألواح الحديد الرقيقة (الزينكو) . وقد شيدت المنازل متلاصقة مع بعضها في صفوف متقابلة تفصلها مسافة مخصصة للمرور تتراوح بين نصف متر وأربعة أمتار. أما طول الصفين المتقابلين فيصل ما بين 50 مترًا إلى 200 متر، يقطعها طريق فرعي عند طرفيها ليفصلها عن صفوف أخرى. وعلى عكس الخيام المقامة بشكل فوضوي وغير منظم يبدو أن الوحدات السكنية الجديدة نظمت، على شدة ضيقها، بغية استغلال أمثل للمساحة، فكل سنتمتر في الوحدة السكنية مستغلة. لذا فإن مساحة المخيم تتحدد في واقع الأمر بمساحة مساكنه. أما الشكل الهيكلي للمخيم فقد صمم ليكون له مداخل على الجهات الأربعة. وفي الغالب ثمة شارعين رئيسين طولًا وعرضًا، أحدهما أعرض من الآخر ويسمى الشارع الكبير ويشطر المخيم إلى شطرين فيما يشطره الآخر من إحدى جهاته. وكلاهما يصلان المخيم بالمحيط الخارجي، هذا فضلًا عن الطرقات

(1) (إننا نتحدث هنا عن"المخيم القانوني"الذي يكتسب الصبغة الرسمية ممثلة بإشراف وكالة الغوث الدولية عليه وهو يختلف عن"المخيم الاجتماعي"الذي يحيط به والمكون من تجمعات سكانية فلسطينية جاورته بدافع من الشعور القومي والأمني أو الرغبة في الاستئناس. و ثمة ما يلفت الانتباه في موقع المخيم وهو استحالة تمدده ديمغرافيًا بفضل بعض الحواجز السكانية المحلية أو الحواجز الجغرافية الطبيعية. ويبدو"المخيم القانوني"مصمم بحيث لا يمكنه تجاوز مساحته، وحتى"المخيم الاجتماعي"(أي تجمعات اللاجئين المحيطة بالمخيم) لا يمكنه أيضًا التمدد دون نهاية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت