ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا بداية أن التفكك الديمغرافي و (أو) التشتت الجغرافي أديا، فعلًا، إلى اختفاء المجتمع، بيد أن كل الدلائل تشير إلى أن شكلًا من الوجود الاجتماعي، وإن كان متفرقًا أو هامشيًا أو ضعيفا، ولد من رحم السلوك العدائي الذي أوقع على الفلسطينيين زمن الحرب وقيام الدولة اليهودية. فللاضطهاد، في محتواه الشامل، وجهًا آخر يكشف عن مفارقة لم تكن واردة في حينه. وربما في غفلة منها برزت وقائع اجتماعية وسياسية جديدة، بالقطع، ما كانت موضع ترحيب لدى الكثير من قوى الاضطهاد. وعند رصد الأحداث، فيما يتصل بهجرة الفلسطينيين واستقرارهم خارج أراضيهم أو بلادهم، يتبين أن اليهود نفذوا عملية إجلاء منظمة للسكان استعملت فيها وسائل متنوعة وشديدة القسوة، فبعضها يتجلى بالاستخدام المباشر للقوة العسكرية الغاشمة أو التهديد فيها من خلال الدعوة الصريحة للسكان بوجوب إخلاء مناطقهم ومنازلهم والرحيل عنها. والبعض الآخر جرى فيه مزج القوة العسكرية بأساليب الحرب النفسية وأدواتها واستعمال واسع النطاق للخداع وارتكاب أعمال قتل جماعية لحمل السكان على الرحيل [1] .
ولئن لجأ السكان تحت ضغط الأعمال العدائية الوحشية الحربية والنفسية، فهم في واقع الأمر انتظموا
، كما أريد لهم، في إطار جماعات تنتمي بأكملها إلى مدن أو قرى أو أحياء أو عشائر أو عائلات أو ... الخ وقليلًا منهم من غادر بصفته الفردية. وفي المقابل كان على هذه الجماعات المسيَّرة أن تستقر على شكل جماعة مثلما غادرت. وهذه حصيلة أولية تثبت أن عمليات إجلاء السكان استهدفت منذ البداية وحتى النهاية الجماعة وليس الفرد. وفي مستوى آخر يبدو واضحًا أن المجتمع الفلسطيني احتفظ هو الآخر بجزء من ذاته الاجتماعية عبر الجماعة اللاجئة سواء كانت جماعة صغيرة أو متوسطة أو حتى كبيرة. وأن جزء كبيرًا من الجماعات اللاجئة استوطنت ما أصبح يعرف بـ «المخيم» ثم فيما بعد «مجتمع المخيم» ، الشكل الاجتماعي الجديد والأبرز من الوجود الفلسطيني بعد النكبة. وكان لتنوع أشكال الاضطهاد وتعدد قواه دور بالغ الأهمية في تثبيت أركان المجتمع الجديد. فالاتهامات التي وجهت إلى الفلسطينيين بأنهم فروا دون مبرر أو باعوا أرضهم فضلًا عن السلوكات القمعية كالقيود القانونية والأمنية والعنصرية ساهمت جميعها في إحياء الشعور القومي وتصعيده لدى الفلسطينيين عامة وسكان المخيمات خاصة الذين تملكهم، أكثر من غيرهم من التجمعات الفلسطينية، وعي حاد في كونهم جماعة مضطهدة ينظر إليها كجماعات دونية أو «نتوءات» دون سائر الجماعات الإنسانية الأخرى خاصة العربية والإقليمية. هذه الجماعات قاومت الاضطهاد عبر تحصنها بالمشاعر القومية إلى درجة ماثلت فيها بين المخيم والوطن وأفشلت كل محاولات التوطين والإدماج في المجتمعات العربية. فغدا المخيم وطنًا ورمزا لكيان اجتماعي قوامه التراث القيمي والثقافي ومعلمًا ذو هوية وطنية بارزة تشهد على الاضطهاد والظلم وملجأ يحفظ لها أمالها في العودة. وفي واقع الأمر، لم يعد ثمة خلاف على أن «المخيم» هو الوسط الاجتماعي الأوضح تعبيرًا عن أشكال الوجود الاجتماعي للفلسطينيين داخل ما تبقى من فلسطين أو خارجها. وهذا حافز موضوعي للبحث في سوسيولوجيا المخيم على أساس أنه النموذج الأمثل للمجتمع الفلسطيني وضرورة التحقق من ذلك.
(1) مصالحة (نور الدين) .- طرد الفلسطينيين: مفهوم"الترانسفير"في الفكر والتخطيط الصهيونيين 1882 - 1948 - مؤسسة الدراسات الفلسطينية - بيروت، لبنان - الطبعة الأولى، كانون الثاني، يناير 1992/ ص178 - 184.