فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 413

ربطت حركة القوميين العرب مصيرها بالناصرية وبدولة الوحدة منذ سنة 1958. وأكثر من ذلك طالبت بروابط تنظيمية مع الحركة الناصرية ولاسيما بعد أن ظهر في مصر سنة 1962 «الاتحاد الاشتراكي العربي» [1] . ومع مرارة تجربة «الانفصال» إلا أنها عززت لدى قادة الحركة عقم برنامجهم التقليدي وأقروا بوجود أعداء طبقيين في ضوء تحميل شرائح الإقطاع والرأسمالية السورية مسؤولية فشل الوحدة، فقد بات واضحًا لديهم بوجوب مكافحة الطبقات الكبرى التي ترتبط مصالحها الاقتصادية بالقوى المعادية للوحدة والتحرر لتيسر مثل هذه المواقف على الحركة الترحيب بالتحولات الاجتماعية التي عبرت عنها القرارات الاشتراكية وشرعت بتقبلها.

وقد لخص «الكبيسي» انتقادات محسن إبراهيم، أحد الأعمدة الفكرية للحركة، التي توالت في سلسلة من المقالات نشرت سنة 1962 في كتاب بعنوان: «في الديمقراطية والثورة والتنظيم الشعبي» ، وجاء فيه: «أظهر انهيار الوحدة بين سورية ومصر عدم صحة الانتقاد بأن الوحدة القومية هي في مصلحة كافة الطبقات في المجتمع العربي المعاصر. فقد بين الانفصال السوري، الذي فجره كبار الإقطاعيين والرأسماليين، بأن هذه الطبقات ليست مع الوحدة القومية .. فاقتصاديات البلاد العربية لم تتطور، بسبب الحكم الاستعماري السابق، وفقًا للمصلحة القومية .. وأن طابعها الاستعماري جعل كبار الإقطاعيين والرأسماليين يطورون قوتهم بربط مصالحهم بالمراكز الرأسمالية للقوى الاستعمارية. وقد جعلت هذه المصالح من المستحيل على هذه الطبقات أن تلعب الدور الذي لعبته مثيلاتها في أوروبا خلال القرن الماضي. أي أن تكون ذات طابع قومي. وعلاوة على ذلك يتعارض التخطيط الاقتصادي في البلاد النامية مع مصالح البرجوازية في حين تتناقض الوحدة القومية في الوطن العربي مع البرجوازية لأن للأخيرة مصلحة في إبقاء البلدان العربية مجزأة» [2] .

لا شك أن الاعتراف بالنضال الاجتماعي عبر مفهوم الاشتراكية العربية كان أولى المقدمات لتغلغل الفكر الماركسي في صلب المؤسسة القيادية، ومن ثم تبني الاشتراكية الماركسية؛ بل الفكر الماركسي برمته. ففي الفترة ما بين 1961 - 1967 تمثل الحضور الماركسي في القيادات الشابة الناشئة بزعامة نايف حواتمه ومحسن إبراهيم وعبد الكريم حمد ومحمد كشلي وغيرهم مقابل «القيادات التقليدية» ممثلة بجورج حبش وهاني الهندي ووديع حداد وأحمد الخطيب. وخلال الفترة المذكورة نشبت خلافات شديدة على خلفية الفكر الماركسي والقرارات الاشتراكية وانفصال دولة الوحدة وحرب اليمن. ففي البداية قبلت القيادة التقليدية بالقرارات الاشتراكية ودافعت عنها وعن الرأي القائل بأن مثل هذه القرارات يجب أن تتم بصورة سلمية ضمن إطار تحالف واسع بين الطبقات العاملة والمثقفين والرأسماليين الوطنيين. وفي المقابل رفض محسن إبراهيم نظرية الانتقال السلمي نحو الاشتراكية على أساس أنها نظرية غير ملائمة [3] ، لأن الملائم، بنظرهم، هو الصراع الطبقي الذي سيؤدي إلى فرز بين الطبقات

(1) إسماعيل (طارق) .- اليسار العربي - مرجع سابق - ص 82.

(2) الكبيسي (باسل) .- حركة القوميين العرب - مرجع سابق / ص 71 - 72.

(3) نفس المرجع.- ص 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت