فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 413

لقد تعرض برنامج الحركة هذا إلى انتقادات شديدة من حزب البعث بسبب تجزئة النضال إلى مرحلتين واضحتين تقود إحداهما إلى الأخرى وأكد أنه لا يمكن تحقيق الأهداف السياسية والاجتماعية كلا على حدة [1] . وكان ميشيل عفلق قد حدد بشكل مبكر طبيعة العلاقة بين مبادئ «البعث» الثلاثة «وحدة، حرية، اشتراكية» في مقالة كتبها سنة 1949 أشار فيها إلى أن: «البعث العربي قد أدرك حقيقة الأهداف القومية عندما جمعها في هذه المبادئ، وأدرك أنها تشكل وحدة خاصة. فالعمل للوحدة أمر ضروري طبيعي بالنسبة للعرب لضمان مستقبلهم. كذلك العمل في سبيل الحرية أيضًا. إذ ما قيمة الوحدة إذا لم تكن تضم شعبًا حرًا واعيًا لحقوقه قادرًا على ممارستها ... والمبدأ الثالث الاشتراكية. وهو أن يكون في هذه الوحدة شعب حر منتج قادر على الحياة. وتكون لأفراده فرص متكافئة فتظهر قواه وإمكانياته دون عرقلة مصطنعة تفرضها طبقة على أخرى أو استثمار داخلي. عندها يعطي العرب قوتهم الكبرى ويكون مجتمعهم قادرًا على البقاء والدفاع عن نفسه» [2] . ومنذ سنة 1954 أخذ القوميون العرب يجهدون لتوضيح برنامجهم مشيرين أنه قد أسيء فهمه بسبب الاعتقاد بوجود فصل ميكانيكي بين المرحلة السياسية والمرحلة الاجتماعية. ولهذا أكدوا على تشابك العلاقة بين المرحلتين بحيث تسمح المرحلة الأولى للحركة القومية بالنضال من أجل الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية في حين تستمر تلك الحركة في متابعة النضال السياسي، إلا أن القوميين العرب ظلوا ملتزمين ببرنامجهم ذي المرحلتين في المناطق التي كان لا يزال فيها الطابع السياسي هو الطابع الرئيسي [3] .

ومهما يكن الأمر فالموقف من الاشتراكية ظل سائدًا طوال عقد الخمسينات بالرغم من التحلل التدريجي الذي طرأ عليه كلما اكتشفت مصر عروبتها وكلما اقترب موعد الحسم مع الأوضاع الداخلية بدءً من إطلاق «الضباط الأحرار» للدفعة الأولى من التأميمات سنة 1956 والتي شملت قناة السويس والشركات والمؤسسات المملوكة للأجانب القاطنين في مصر [4] . ثم تدخل الدولة في الاقتصاد والمجتمع عبر حملة تمصير استهدفت تحويل الاقتصاد من هيمنة القطاع الخاص إلى هيمنة القطاع العام. ولم تكن هذه التحولات إلا تمهيدًا للإجراءات الاشتراكية الشهيرة سنة 1961، عشية انفصال دولة الوحدة، وقوانين سنة 1963. وقد استهدفت كل هذه التأميمات إخراج الاقتصاد المصري من هيمنة القوى الأجنبية والاستغلال المحلي والتوجه إلى تحقيق استقلال اقتصادي وتوزيع جديد للثروة أو من وجهة نظر أخرى «تقوية جهاز الدولة وحكم العسكر» [5] . ولأكثر من سبب

(1) الكبيسي (باسل) .- البعد القومي ... - مرجع سابق - ص 116.

(2) إسماعيل (طارق) .- اليسار العربي - مرجع سابق - ص 48.

(3) الكبيسي (باسل) .- حركة القوميين العرب - مرجع سابق - ص 30.

(4) عند قيام الثورة كان رؤساء مجالس إدارة الشركات يتوزعون على النسب الآتية: المصريون المسلمون 21%، الأوروبيون 30%، اليهود 18%، الشاميون 11%، يونانيون أو أرمن 8%، مصريون أقباط 4%. وفي الواقع ظلت سيطرة هذه الجماعات واضحة حتى تأميمات بداية الستينات. إذ توضح قوائم الأسماء الموضوعة تحت الحراسة أن نسبة المصريين والأقباط لم تكن تزيد عن 28% من المجموع. لدى: الأيوبي (نزيه نصيف) .- الدولة المركزية في مصر - مرجع سابق - ص55.

(5) النقيب (خلدون حسن) .- الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر، دراسة بنائية - مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت، لبنان - الطبعة الأولى، أيار/ مايو 1991 / ص 129، 144، 197.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت