فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 413

إسرائيل على امتداد القرن العشرين لم تكن سوى خطأ أو جرما ارتكبه العرب والفلسطينيون بحق إسرائيل حتى غدت الجماعة وكل القوى الإسلامية الجهادية تتعرض لحصار شامل حتمته المناخات السياسية الملائمة لإسرائيل. وبدت القوى الإسلامية، في أحسن الأحوال، كما لو أنها ولدت في غير أوانها [1] . فلماذا لم تقتحم الجماعة ميدان الجهاد المسلح قبل ذلك؟ وما الذي حال بينها وخوضه في أوقات سابقة؟ أو بمعنى أدق كيف نفسر «التأجيل» الذي طاول عقودا ثلاثة متوالية؟

أولا: نقض المبررات التقليدية

ربما تبدو العلاقة النفعية بين حاجات الجماعة والمجتمع مسألة مفهومة. أما محنتها مع النظام السياسي في مصر أو ظهور حركة «فتح» أو انتشار الفكر اليساري بحيث غدا المناخ السياسي والأيديولوجي نقيضا للفكر الإسلامي فهي مسائل تحتاج إلى الاستطلاع وإعادة النظر. إذ أن الجماعة ليست معنية أبدا بمحنة الجماعة الأم في مصر خاصة بعد الهزيمة العربية سنة1967 وانسحاب مصر والأردن من قطاع غزة والضفة الغربية التي جُمِّد نشاط الجماعة فيها بقرار من المركز في الأردن. ومن الواضح أن الدور العربي لم يعد يشكل أي خطر مباشر على الجماعة لجهة الملاحقة أو المراقبة أو التضييق عليها. وعلى العكس من ذلك فقد تحررت الجماعة من الضغوط العربية. بل إن النظام السياسي العربي تلقى إدانة بالغة باحتلال ما تبقى من فلسطين وأجزاء أخرى من أراضيه، الأمر الذي كانت له آثارًا مباشرة على فوران العمل الفدائي والترحيب العربي به بشكل غير مسبوق. أما إذا كانت الجماعة قد شعرت بالامتهان من ظهور «فتح» فللمسألة أكثر من وجه. إذ يثبت الانشقاق عن الجماعة وتوجه الثقل نحو «فتح» سيادة الرغبة في ممارسة الجهاد. لا بل اعتبار «فتح» إسلامية وذات خبرة تنظيمية «إخوانية» فيما يتعلق بانتقاء العنصر المقاتل واشتراط الجانب الخلقي والديني في العضوية. وقد ظلت «فتح» تعمل بهذا الأسلوب في اختيار المناضلين حتى سنة 1968 وبالتحديد حتى وقوع معركة الكرامة (آذار/ مارس) . أما بعد ذلك فلم يعد للانتقاء التنظيمي أية شروط [2] . وبما أنها خرجت من رحم الجماعة فقد اتسمت دعوى «فتح» بالسرية المطلقة مستفيدة من أساليب التنظيم التي خبرتها في الجماعة وتقدمت بمشروع «الكفاح المسلح» والاعتماد على الذات لتولد دعواها وسط جو من الخوف، معادي، وعلى هامش كل الأطروحات الرائجة ذات الاختيارات القومية العربية. ألم يكن أحرى بالجماعة أن تتقدم على ذاتها لتستوعب مشروع «فتح» أو على الأقل لوقف استنزاف الأخيرة لرموزها القيادية؟ ألم يكن بمقدورها مباشرة الكفاح المسلح إلى جانب «فتح» وبشكل مستقل إن أرادت؟

وبعد التعلل بالمحنة وحركة «فتح» يجيء دور الماركسية. فمنذ بدايات العقد الخامس بدأت الماركسية تمثل حضورا في الأيديولوجيات المشرقية. إلا أنها لم تتمتع بالثقل ولا بالاحترام. ليس بسبب الوحشية الستالينية فحسب،

(1) مقابلة مع إبراهيم غوشه - مصدر سابق - 22/ 7/1998. إذ ورد هذا الموقف على لسان خالد الحسن الذي أخذ فكره يميل نحو الإسلام ابتداء من أواخر العقد الثامن.

(2) نفس المصدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت