فهرس الكتاب

الصفحة 338 من 413

بل وبسبب موقفها «العربي» والسوفياتي من القضية الفلسطينية. أما الجماعة فقد كانت ذات رصيد كبير في فلسطين وأصبحت الظاهرة السياسية الأولى في غزة مقابل حركة القوميين العرب وأحزاب البعث والأحزاب الشيوعية. وباتت الجماعة في غزة مطاردة منذ أواخر العام1954 مثل الحزب الشيوعي. بيد أن هذا الأخير لم يغب عن الساحة إلا عسكريا متماهيا مع أيديولوجيته القابلة لحق إسرائيل في الوجود. فلماذا غابت الجماعة عن الجهاد والسياسة والإعلام بينما كانت المنظمات الماركسية الفلسطينية توالي الظهور أمام ناظريها دون أن تحرك ساكنا، لتأتي بعد ذلك متعللة بانتشار الماركسية وطغيانها على العمل الفدائي؟ وبينما حازت الماركسية المقاتلة على الشرعية السياسية والشرعية الاجتماعية كانت الجماعة تواصل الانكفاء نهائيا كما لو أنها في شتاء سيبيري. فمن الأوْلى بالشرعيتين؟ ذوو التراث الجهادي العريق أم المتعيشون على «الكفاح المسلح» والأطروحات الماركسية بشتّى تلاوينها؟ ثم ألم تساهم القوى الإسلامية بانكفائها بإزاحة نفسها عن الساحة لتتيح، بالمحصلة، للقوى الماركسية التقدم عليها وإقصائها وضربها من خلال مواقفها التراجعية ذاتها؟

والملفت للانتباه حقا أن حركة «حماس» ولدت داخل الأراضي المحتلة. وظلت قياداتها السياسية والعسكرية والأمنية في الداخل. وتعرضت إلى قسوة وتصفية أشد مما تعرضت له أية جماعة سياسية فلسطينية. فالظروف السياسية المعاصرة أشد قسوة عليها وعلى القوى الأخرى من أي وقت مضى. والمحنة التي تعانيها جراء الضغوط العسكرية والأمنية من إسرائيل وغيرها أبلغ في أثرها مما تعرضت له الجماعة في محنها السابقة أو المنظمات الفدائية لدى ظهورها. ومع ذلك اقتحمت الجماعة ميدان الجهاد المسلح ضد إسرائيل بشراسة فاقت نظيرها من القوى الأخرى. فلماذا لم تُبكّر في ممارسة الكفاح المسلح السري مثلما تفعل الآن علما أن الظروف كانت متاحة أكثر خاصة بعد العام1967؟

لعل الجماعة أصيبت بـ «انفعال» [1] . أما أن يستمر لعقود طويلة وبلا مراجعة فهذا يؤشر، إذا اتفق على ذلك، أن الانفعال لم يكن سوى معطى وُظِّف، بوعي أو بدون وعي، لتغذية المواقف والإستراتيجيات الناجمة عنه حتى بات سلوكا اعتياديا وليس طارئا. ولم يكن مبدأ «السلامة العامة» ليحرك في الجماعة ساكنا. فمن يتحمل المسؤولية عن هذا الجمود؟ وهل في تراث الجماعة الأم ما يبرر هذه الاختيارات؟ هل نتحصل على ما يمكن اعتباره تفسيرات سوسيولوجية وأيديولوجية لـ «التأجيل» إذا ما أجبنا على هذه الأسئلة بحيث تبدو مبررات الجماعة السياسية (المحنة و «فتح» والماركسية) والأيديولوجية (البعث الحضاري الشامل أو الشروط الإسلامية أو التغيير الاجتماعي) مجرد إشكاليات مفتعلة صدقتها الجماعة، وفي أحسن الأحوال ثانوية؟

في ضوء المعاينة الموجزة للنهج الإصلاحي سنلاحظ مدى القصور الذي يعانيه في البناء النظري والأضرار الناجمة عن ذلك. أما لماذا لم يتفكك هذا النهج مبكرا فلأن عناصر نسقية أربعة، على الأقل، وفرت له الديمومة والحماية قبل أن تخترقه التحولات الاجتماعية وتضرب العنصر المركزي فيه وهو القيادة.

(1) الحروب (خالد) .- حماس ... - مرجع سابق - ص 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت