فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 413

تنتمي جماعات اللاجئين إلى قرى ومدن مختلفة. وبالتالي فإن سكان المخيم هم في الواقع أسر وعائلات غريبة عن بعضها لا تربطها أية مصالح اقتصادية أو اجتماعية أو قرابية إلا في نطاق القرية أو المنطقة الواحدة. وكان لغياب التعارف المسبق مبررًا لانقطاع التزاور فيما بين العائلات. غير أن الفقر الاقتصادي وتماثل وضعية السكان والحاجة إلى التآلف والمؤانسة والمواساة وتناقل الأخبار شكلت حوافز لنسج علاقات اجتماعية شديدة التماسك والتضامن. وفي بعض المخيمات الصغيرة كاد السكان يعرفون بعضهم البعض إلى درجة أمكن فيها التعرف على أي «غريب» يدخل المخيم. وفي العادة يوصف الغريب بالشخص غير اللاجئ. وفي المجتمعات المضيفة من النادر أن يدخل المواطن المحلي إلى المخيم لأنه لا يرتبط فيه بأية مصلحة كانت. وغالبًا ما ينظر إليه بالريبة إلى أن يكشف عن هويته ويفصح عن نواياه. وفيما بين المخيمات في المجتمع الواحد قلما توجد علاقة ما إلا في نطاق محدود، وربما نادر، كعائلتين متصاهرتين أو بين أفراد يوحدهم صدفة مكان العمل أو مصلحة ما أو بين بعض الطلبة والموظفين. وربما يعود السبب في ذلك إلى تباعد المخيمات عن بعضها من جهة وتوجه المخيم اقتصاديًا إلى الخارج وهو السبب الأقوى. وثمة ملاحظة أخيرة لافتة وهي غياب أية علاقات من أي نوع بين أي مخيمين إقليميين. ويكاد اللاجئ أن يكون جاهلًا تمامًا لوضعية أقرانه في بلد آخر أو لعدد المخيمات أو لأسمائها، ولا يشعر بأي ارتباط أو انتماء لها، ولا يستطيع أن يعبر عن ذلك حتى في الأوقات الصعبة.

أما عن العلاقات مع بقية اللاجئين في المخيم فتقوم على التمايز في الإقامة داخل المخيم أو خارجه. فالفئات التي تسكن المخيمات هي فئات معدمة لا تملك ما يؤهلها لاختيار مكان الإقامة. ومن المعدمين خارج المخيم أولئك الذين لجئوا إلى أقاربهم وتلقوا منهم المساعدة. إذ لعبت القرابة دورًا مهمًا في امتصاص صدمة اللاجئ والتخفيف من بؤسه [1] . بيد أن عائلات أخرى تذمرت ولم يعد بمقدورها ما تقدمه فاضطرت العائلات اللاجئة إلى التوجه نحو المخيم. وأفلحت عائلات أخرى في العيش خارج المخيم لحيازتها بعض الأموال التي أخرجتها معها وتمكنت بواسطتها من إعادة هيكلة حياتها الاجتماعية والاقتصادية. ومن الجدير الإشارة إلى أن الكثير من العائلات التي توجهت إلى الاستقرار خارج المخيم بقيت على اتصال دائم به، لأن جزءً من العائلة أو بعض الأقارب استقروا في المخيم منذ البداية. وثمة عائلات كثيرة فرّت من قراها وسلكت طرقًا وعرة وتمزق شملها وهلك بعض أفرادها جراء الجوع والمرض وسكنت البساتين والعراء والكهوف والخرائب إلى أن التحقت بالمخيمات، وهذه العائلات هي الأشد فقرًا بين سكان المخيمات.

إن المبنى الهيكلي والاجتماعي للمخيم يبرر اعتبار المخيم مجتمعًا بقطع النظر عن سماته. فهو مجتمع قائم وإنْ كان بنمط جديد مغاير لطبيعة المجتمعات الإنسانية. بيد أنه لا يمثل ولا بأدنى شكل من الأشكال المجتمع

(1) نفس المرجع.- ص30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت