بداية علينا أن نوضح أن المقصود بالهوية التنظيمية هو تتبع المسار التاريخي لنشأة حركة «فتح» وليس ملاحظة البناء الداخلي للحركة كتنظيم سياسي وعسكري. صحيح أنه ثمة تميز ثابت ومستمر لحركة «فتح» حتى في مستوى الهيكل التنظيمي مقارنة بالمنظمات الأخرى ولكن ليس هذا هو موضع الاهتمام فالإشكالية التي نطرحها، هنا، تنطلق مما يمكن اعتباره مسلمة قوامها أن حركة «فتح» لم تتماثل نشأتها التنظيمية بالنشآت التقليدية التي ترتبط بمجموعة معينة كحركة القوميين العرب أو كتيار أيديولوجي انبثق عن حزب ما أو كنتيجة لجهود فردية تمتعت بشخصية كاريزمية أو سليلة لشرعية سياسية أو دينية أو تراث أيديولوجي أو لأي من الرأسمالات الرمزية أو حتى صنيعة لدولة أو جهاز أمني أو لمؤسسة ما. ليست «فتح» في الحقيقة كمن نشأ على خلفية أي من المحتملات السابقة، وليست حتى وليدة ردود فعل إلا في سياق معين لبعض المجموعات المشاركة في التأسيس. إذن كيف نشأت حركة «فتح» ؟ ومم تتركب بنيتها الاجتماعية؟ وأين يقع مؤسسوها في النظام الاجتماعي وما هي مبررات النشأة؟ هذه الأسئلة كلها هي محط الاهتمام بما توفر لنا من معلومات عن الأعضاء المؤسسين.
تشير المعلومات المتداولة حول نشأة حركة «فتح» أن المسألة تتمثل بواقع اللجوء الذي نتج عنه شتاتا فلسطينيًا في بقاع مختلفة من الأرض. ويذكر خالد الحسن أن الشتات كان يعج بمجموعات فلسطينية مستقلة: «لقد اكتشفنا أنه، بين 1958 و 1962، كانت هناك حركة فلسطينية حيثما وجد تجمع فلسطيني» [1] حركة ذات صبغة سرية تتكون من مجموعة أو مجموعتين من الأفراد أو أكثر بقليل. وخضعت التشكيلات الأولى لهذه الجماعات إلى تقارب معين في الأفكار ناجم عن معاناة فردية خاصة أو ظروف عمل مشتركة أدت إلى تبني أفكار معينة أو بفعل ظروف سياسية حتمت البحث عن بديل عند مجموعة من الأفراد. وتميزت هذه التشكيلات، أيضًا، بطابع استقلالي في العمل وبطابع عملي ينزع بصفة تامة إلى الرغبة في الابتعاد عن الفكر النظري والعقدي الذي عبرت عنه الأحزاب. فمن هي هذه المجموعات؟
لا يجادلن أحد في أن رحاب الجامعات المصرية خلفت أثارا أبلغ أهمية مما خلفته الجامعة الأميركية في بيروت أو القاهرة فيما يتعلق بنمو الحركة الوطنية الفلسطينية [2] التي شكلت حركة «فتح» نواتها الأولى. فمن الجامعات المصرية تخرجت قيادات الحركة الأكثر فاعلية من المجموعات الأخرى، ومنها أيضًا كانت نقطة الانطلاق في التفكير نحو حركة فلسطينية مستقلة، والمفارقة أن هذه الحركة ولدت كفكرة قطرية من رحم القومية
(1) كوبان (هيلينا) .- المنظمة تحت المجهر- هاي لايت للنشر - لندن- الطبعة الأولى، 1984 - ترجمة وتقديم، سليمان الفرزلي - ص 52.
(2) باستثناء مجموعة الدكتور جورج حبش ونشاط حركة القوميين العرب.