وهذا ما يجب أن يفهمه المتحكمون» وأنه «لن يطول موعد انطلاقة رصاصة الحرية والتحرير والعودة» . وعلى الجانب الفلسطيني حذرت المجلة أولئك الفلسطينيين الذين قد ينجرون لـ «مسايرة الفئات الحاكمة» وتوعدتهم بـ «حسابا عسيرًا» لذا «فتكتلوا ولنا معكم قريبًا لقاء وأي لقاء!!» [1] .
وفي خاتمة هاتين المهمتين، هل يمكن القول أن الهوية الفلسطينية نضجت على خلفية أطروحات حركة «فتح» ؟ إن شيئًا من هذا القبيل لا بد وأن يحدث، وثمة حدثين ساهما بفعالية في تعزيز نمو الهوية الفلسطينية والانكفاء نحوها أولهما انفصال الجمهورية العربية المتحدة في 28 أيلول/ سبتمبر سنة 1961 وثانيهما انتصار الثورة الجزائرية في الخامس من شهر تموز/ يوليو سنة 1962.
ففي الحدث الأول انهارت الوحدة وثبت أن في المجتمع العربي قوى اجتماعية طبقية وسياسية لديها من الامتيازات والمصالح المرتبطة بمصالح الرأسمالية الغربية ما هو جدير بالدفاع عنها مهما كانت النتائج. وأن الفئات المهيمنة تمثل اختراقًا قويًا يهدد أية توجهات وحدوية أو مخططات تنموية أو سياسات وطنية وإقليمية ودولية تتعارض (مع) أو تحد (من) طموحاتها ومكاسبها. ومن جهة أخرى فإن سلطة الدولة ذاتها باتت معنية بالتمايز الطبقي والسياسي بما أن الشرائح المتنفذة (الممسكة بالسلطة) خلقت من ذاتها ولذاتها طبقية جعلتها في موقع الامتياز. وعوضًا عن أن تدافع هذه الطبقية عن التحولات التي أحدثتها شرعت على العكس من ذلك إلى الفصل والنأي بمصالحها حتى أضحت على رأس القوى المهيمنة وليس جزء منها فقط. وهكذا ابتعدت عن أجواء التوتر السياسي والصدام مفضلة المهادنة حفاظًا على مكتسباتها فضلًا عن تنميتها وتعزيزها [2] . أما الحدث الثاني فقد مثل أهزوجة الفلسطينيين الذين طرحوا السؤال الحاسم: لماذا لا يعتمد الفلسطينيون على أنفسهم وقد أثبتت الثورة الجزائرية هذه الفرضية [3] ؟ وفي واقع الأمر طُرح هذا السؤال لما كان الطلبة في مصر يتابعون انطلاقة الثورة الجزائرية ملاحظين الفرق الهائل بين جيش جبهة التحرير الوطني والجيش الفرنسي وقد أبهرتهم انتصارات الثورة، وكذا الأمر فيما يتعلق بانتصارات الثورات العالمية في الصين وكوبا وفيتنام [4] وقد أثبتت هذه الثورات المحلية أن بمقدور شعوب ضعيفة جدًا أن تنتصر إذ ما توحدت وامتلكت الإرادة على أقوى الجيوش العالمية وأعتى الحركات الاستعمارية.
(1) نفس المصدر.- عدد 18 - تموز / يوليو 1961.
(2) إن تحليلًا مهما وحديثًا لهذه الشرائح يلاحظ لدى: الأيوبي (نزيه نصيف) و النقيب (خلدون حسن) .- مرجعان سابقان.
(3) الحوت (شفيق) .- بين التيه والدولة - مرجع سابق - ص 49.
(4) خلف (صلاح) .- ... بلا هوية - مرجع سابق / 67 - 68.