النشطاء، في جميع المجالات الاجتماعية والدينية، القوى الإسلامية من التغلغل في أعماق المجتمع والاتصال بجميع شرائحه وبناء علاقات اجتماعية واسعة جرى تحويلها، نسبيا، إلى علاقات تنظيمية وتآزرية. ومثل هذه العلاقات مكنت حركة «حماس» ، مثلا، من التضخم دون أن تفقد نقاوتها التنظيمية. فكان «شباب المساجد» مصدرا رئيسا للتقاطب بالرغم من أنهم غير مؤطرين تنظيميا. أي أنهم لا يتمتعون بأية صفة تنظيمية في جماعة «الإخوان المسلمين» التي تشترط تزكية العضو وتدرجه حتى بلوغ البيعة كعضو كامل، ومن ثم اختيار الأعضاء المجاهدين. ولا شك أن هذا الأسلوب في الاستقطاب يعد ثورة في شروط العضوية على الرغم أن المنتسبين الجدد لم يتقلدوا مسؤوليات حاسمة مقارنة بأقرانهم في الجماعة.
يتضح من التحليل الميكروسوسيولوجي أن الظاهرة الجهادية، إجمالا، هي ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد من حيث علاقتها ببنية التنظيم الاجتماعي. وظاهريا تبدو في الضفة الغربية ذات سمات ريفية مباشرة فيما هي في غزة ذات سمات مدينية أو شبه ذلك. غير أن هذا التوصيف من الصعب القول به كنتائج نهائية. ليس لأن العينة غير علمية فحسب، بل لأن المعايير المستعملة في التوصيف والمعلومات المتوفرة تجعل من الحسم فيما إذا كانت الظاهرة ريفية أم مدينية مسألة صعبة.
ففي الضفة الغربية تبدو السمات الريفية طاغية. ذلك أن بند الإقامة وفّر إمكانية للتثبت من الأصول الاجتماعية للمبعدين. ولكن فيما يتعلق بالمخيمات فالمعطيات المتوفرة مسألة جدّ مشكوك فيها. أما من ورد التعريف به من المبعدين مقيما في المدينة فلم يكن ثمة مجال للتحقق مما إذا كان ريفيا أو لاجئا يسكن المدينة. وفي القرى ينبغي أن نضع في الاعتبار أن عددها ازداد من264 قرية غداة النكبة (1948) إلى أكثر من 400 قرية حين الكارثة (1967) . وتركزت الزيادة في منطقة الشمال (جنين) والوسط (القدس) والجنوب (الخليل) . ويرجح أحد الباحثين أن القرى الجديدة هي «مستوطنات جديدة للبدو أو مستوطنات دائمة تستعمل على أساس موسمي، أو توسعات لمجموعات صغيرة جدا من البيوت والخرب (البيوت المهدمة) لم تكن مصنفة قرىً من قبل» . ولاشك أن من حقنا التساؤل إن كان ثمة نسبة من سكانها هم أصلا من اللاجئين أم لا؟ خاصة وأن عددا من اللاجئين غداة النكبة سكنوا الكهوف والخِرَب والمناطق المهجورة. فما الذي يمنعهم من الاستقرار في أماكنهم في زمن كانت فيه ملكية الأراضي لما تزال مشاعا؟ لذا ليس مستبعدا أن يكون بعض من صٌنفوا مقيمين في القرى هم في الواقع لاجئون. ومن الممكن وصف الظاهرة الجهادية في الضفة بسمات ريفية كون اللاجئين في غالبيتهم الساحقة ريفيون معدمون. ولكن أن نقول أن الظاهرة ريفية وأصيلة سكان الريف غير اللاجئين فثمة صعوبة بالغة في هذا الأمر إلا إذا قبلنا بالسمات الحالية للتركيب السكاني في تشكيلاته الجديدة بعد النكبة.
أما في قطاع غزة فالسمات البادية على الظاهرة هي سمات مدينية. بينما معظم سكانه اللاجئون والأصليون هم من أصول ريفية. فأي وصف يمكن أن نطلقه على الظاهرة الجهادية؟ هل هي ظاهرة ريف- لاجئين؟ أم ظاهرة ريف- مدينة كما هي الآن؟ من الواضح أنها لا تتمتع بالأصالة السكانية إلى حد كبير جدا. ولأن مظاهر