العشائر والعائلات لتسهيل التحكم في المجتمع ومراقبة النشطاء والفاعلين وغيرهم ممن ترى السلط المحتلة أنهم يشكلون خطرا على الأمن بدلا من التعامل مع كل فرد على حدة. ولكن تركيز إسرائيل على شريحة العملاء والمخبرين السرِّيين ثبت أنه أجدى من الوجهاء والأعيان وأمثالهم خاصة أن هؤلاء متضررون من التدخل الإسرائيلي وسياساته. وهذا يعني فشل إسرائيلي في توظيف العشيرة أو العائلة بما يخدم سياساتها خاصة أن وحدات التنظيم هذه انبثقت أساسا من المجتمع ذاته في حين انبثق «العميل» من قوة الاحتلال. لذا ظلت أشكال التنظيم الاجتماعي قائمة، ولو ذهنيا، تعبيرا عن بنية التنظيم الاجتماعي واحتياجاته وليس تعبيرا عن احتياجات أمنية إسرائيلية حتى لو نجحت إسرائيل في اختراقه فرديا وباستمرار.
على كل حال فالمؤسسات الاجتماعية هذه تعاظم وجودها بشكل غير مسبوق ابتداء من أول الثمانينات لتبلغ ذروتها انطلاقا من منتصف العقد ذاته. وقد تسربت المسألة من الأردن حين تعرض التنظيم الاجتماعي فيه إلى هزّة، عبر تدخلات حكومية، استهدفت تقويض النظام العشائري، الأمر الذي اضطر الملك حسين إلى التدخل لمحاصرة آثارها [1] . وعلى ما يبدو أن التدخل الملكي فُسِّر، اجتماعيا، على أنه تدعيم للنظام العشائري. ويبدو هذا الفهم متجليا في شيوع ظاهرة الروابط العشائرية والعائلية على نطاق واسع في المدن والأرياف والبداوة دون تمييز مما كان له الأثر في صبغ، حتى الحياة السياسية، بالثقافة العشائرية. ولما كانت الضفة الغربية، حتى ذلك الحين، جزء من المملكة الأردنية الهاشمية [2] فضلا عن الروابط التاريخية بين ضفتي النهر في مختلف المجالات فمن الطبيعي أن تتأثر بما يجري في الأردن. وكان من بين مخرجات الثقافة العشائرية المتضخمة سيادة القضاء العشائري ليس اجتماعيا فحسب بل وجزء من القضاء المدني وأحد مؤسساته. فإذا ما اكتسب نزاع بين طرفين طابعا عشائريا فلا مفر من احتوائه عبر القضاء العشائري لمنع ردود الفعل والحيلولة دون توسعه ريثما يأخذ القضاء المدني مجراه أو ينتهي دوره في الكثير من الحالات عند الحكم العشائري.
أما في قطاع غزة فالمجتمع، وإن بدا في ظاهره مدينيا أو شبه مديني بفعل الزحف المبتادل بين المدينة والريف فهو اجتماعيا وفي جوهره مجتمع ريفي- بدوي مشبع بالثقافة العشائرية. وبسبب الكثافة السكانية تتهيأ التناقضات الاجتماعية لتكون أكثر بروزا مما هو الحال في الضفة الغربية حتى على مستوى الصراعات التنظيمية. هكذا وفي مجتمع تهيمن عليه الثقافة العشائرية يغدو دور شريحة الصلحاء مطلبا اجتماعيا ملحا وبالغ الأهمية ومؤثرا في إشاعة المناخ الديني في مجتمع محافظ خاصة إذا ما اتسم هذا الدور بلين القول ودماثة الخلق والورع الديني البعيد عن المصالح الشخصية أو التنظيمية والسياسية العاجلة. الأمر الذي يمكّن هذه الشريحة من احتلال مكانة مرموقة بين الأطراف المتنازعة وبين الناس على السواء. وعلى الصعيد التنظيمي فقد مكن دور
(1) سلامة (غسان) .- المجتمع والدولة في المشرق العربي - مرجع سابق - ص 160.
(2) (أعلن الملك حسين، ملك المملكة الأردنية الهاشمية، فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية في خطاب شهير ألقاه في 1988/ 7/31.