لا شك أن «هوشي منه» زعيم الثورة الفيتنامية و «ماو» تعلما من كلاوزفيتز «التعقل» و «أثبتا أن أقوى الجيوش وأفضلها تدريبًا وعتادًا تعجز عن قهر شعب يحارب فوق أراضيه» [1] . ولكن بشرط «ماوي» ، «لا يصح (فيه) نقل أو تطبيق قوانين الحرب الخاصة بهذا البلد أو هذه الأمة على بلد آخر أو أمة أخرى بصورة حرفية وآلية ... فإذا نقلناها وطبقناها كما هي دون أن ندخل أدنى تغيير على شكلها ومحتواها، فسوف نكون أشبه بمن يبري قدميه لتلائما الحذاء ولا بد أن تنتهي إلى الهزيمة» [2] .
هكذا فالتعقل الـ «كلاوزفيتزي» اكتشف القوة الثالثة أما الماركسي فقد حدد فعالياتها (طبقات الثورة) . إلا أن «الماوية» فاجأت التحديد العام بالخصوصية المحلية (الفلاحين وليس العمال) . ولم يثبت للآن أن المفاجأة الصينية حالة شاذة بالرغم من ضمور حركات التحرر في العالم والتوسع المديني.
هل تنبهت الثورة الفلسطينية لولادة نظرية «حرب الشعب» والتطورات التي جدَّت عليها؟
في سنة1964 زار وفد فلسطيني من حركة «فتح» الصين لاستشارة «ماو» في مسألة تفجير الثورة الفلسطينية فقال: «يا رفاق لقد تبادلنا الحديث بحرارة ولكنني أريد أن أقول، لقد درست قضيتكم والظروف المحيطة بها بدقة، إنها قضية صعبة تتداخل فيها المشاكل تداخل أسنان القرش. إذا تمكنتم من تفجير ثورة والاستمرار بها فإني سأكون سعيدًا لدراسة قوانين جديدة لحرب الشعب في ظروف لا تنطبق عليها حرب الشعب» [3] . فإلى أي مدى يبدو التحذير الصيني هذا صحيحًا؟
الملاحظ أن الانطلاقة المسلحة على أرض فلسطين كانت تفتقد إلى جوهر حرب الشعب حيث الديمغرافيا الفلسطينية تتوزع على الشتات والجغرافيا ضيقة جدًا. ففي فلسطين يشكل اليهود 65% من السكان ينتشرون على مساحة تزيد عن ثلاثة أرباع مساحة فلسطين الانتدابية بينما ينحشر الفلسطينيون في مساحات ضيقة في الضفة الغربية ويتكدسون في غزة. وفي إطار فلسطين المغتصبة (1948) يتمتع اليهود بتفوق سكاني ساحق على العرب بنسبة 88% إلى 12% على التوالي فضلًا عن أن نصف الفلسطينيين يعيشون في الشتات [4] . وهذا يعني أن
(1) الكيالي (عبد الوهاب) .- موسوعة السياسة - مصدر سابق - المجلد الخامس - ص130.
(2) أبراش (إبراهيم) .- البعد القومي ... - مرجع سابق - ص 229.
(3) الحسن (هاني) : وقفة عند الذكرى الخامسة عشر لانطلاقة الثورة الفلسطينية - منظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث - بيروت، لبنان - عدد 89 - كانون ثاني/ يناير 1980 - ص 22.
(4) شفيق (منير) .- مناقشة أراء حول القضية الفلسطينية - دار 6 تشرين - بيروت، لبنان - ص 60. والمعلومات المقتبسة كانت موضع نقد من قبل الكاتب، وتعود أصلًا إلى: مرقص (إلياس) .- المقاومة الفلسطينية والموقف ... =
= الراهن- دار الحقيقة - بيروت، لبنان- الطبعة الأولى، نيسان/ أفريل 1971 - ص 22،23. مع العلم أن النقد لم يتناول المعلومات بحد ذاتها إنما السياق المنهجي والأيديولوجي الذي وضعت فيه بهدف نقض مفهوم"الثورة"وسلخه عن الهوية الفلسطينية والاستعاضة عنه بكلمة"مقاومة".