فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 413

بوسائل أخرى» [1] . ومن الثابت تاريخيًا، أن «ماو» وجد في المجتمع الصيني ما لم يجده «ماركس» في المجتمعات الأوروبية أو «لينين» في المجتمع الروسي. وهنا يكمن سرّ الخروج على الماركسية التقليدية، وفي نفس الوقت إثرائها وتجديدها. فقبل أن يطلق شرارة الثورة، وفي خضم الحرب الأهلية في الصين (1925 - 1927) لجأ إلى دراسة المجتمع الصيني فوضع كتابه الشهير «تحليل طبقات المجتمع الصيني -1926» والذي بيّن فيه أن مجتمع الثورة يكمن في طبقة الفلاحين التي تعد 500 مليون نسمة وليس في طبقة العمال (البروليتاريا) التي تعد 2 - 3 مليون يعيشون في عدد محدود من المدن الكبرى. وإضافة إلى «تقرير حول الحركة الفلاحية في هونان -1927» توصل «ماو» إلى التأكيد على الطاقات الثورية للطبقة الفلاحية والدور العظيم الذي تستطيع الجماهير الفلاحية المنتشرة على مساحات واسعة أن تضطلع به. فالمسألة هنا تتعلق بقدرة الحزب على إعداد الفلاحين و تثقيفهم وبالتالي إضفاء طابع الاستمرارية على ثوراتهم وعلى تحويلهم إلى قوة جبارة ومنظمة. وبالرغم من أن أطروحاته واجهت الرفض من قبل الحزب الشيوعي الصيني إلا أنه مرر أطروحته بدء من عام 1927 حيث بادر إلى تشكيل أول فرقه من الجيش الفلاحي والعمالي الأول. إلا أنه لاقى هزيمة نكراء على يد قوات الكومنتانغ فأُقصي عن الحزب الشيوعي. ولكن بعد عام واحد وافق الحزب على نظريته واشتهرت أطروحته بـ «حصار الأرياف» للمدن. أي أن الثورة في الصين ينبغي أن تنطلق من الريف لا من المدينة [2] . وإلى حين اكتشاف «ماو» لطبقة الفلاحين كانت الماركسية- اللينينية لا تفكر إلا بطبقة العمال كمادة أولى للثورة تليها طبقة فقراء الفلاحين.

وبطبيعة الحال نشأت الماركسية على إحداث تفاضل بين العمال والفلاحين لجهة الأولى باعتبارها الطبقة النقيضة للبرجوازية. ولأنها منبتة الجذور من طبقات عدة فهي بالضرورة ساخطة وعدوها الأول والأبدي هي البرجوازية المالكة التي تستغلها على الدوام. ولأنها ليس لديها إلا قوة عملها لتعيش منه فهي لا تملك ما تخسره إلا قيودها، وبالتالي فهي أكثر التزامًا وجذرية بالثورة من فقراء الفلاحين. ولكن ماذا يفعل «ماو» ؟ هل يقبل بالفهم الارثوذكسي للماركسية اللينينية، وهي ذاتها «دليل للعمل وليس عقيدة جامدة» ، كما يصفها واضعوها، ويتجاهل 500 مليون فلاح وألفي سنة من النضالات الفلاحية؟ أم يظل متحمسًا وفيًا للحركة الفلاحية ولأسباب الفعالية الثورية؟ كان الرد سريعًا وبلا تردد: «سيحطمون كل السلاسل و يسيرون على طريق تحررهم ... يجب أن نكون على رأس الفلاحين و أن نقودهم .. » [3] .

(1) نفس المصدر.- المجلد الثالث - ص 130. لمزيد من الاطلاع على فكر"كلاوزفيتز"ينصح بالعودة إلى قراءة المفكر المغربي عبد الله العروي له وتعليقه على عالم الاجتماع الفرنسي"ريمون بودون"الذي يصفه بـ"شارح كلاوزفيتز". العروي (عبد الله) .- ثقافتنا في ضوء التاريخ - المركز الثقافي العربي - الدار البيضاء، المغرب - الطبعة الأولى، 1983 / ص 81 - 111.

(2) نفس المصدر.- المجلد الخامس/ ص 700 - 704.

(3) دوهامل (أوليفير) .- تاريخ الأفكار السياسية - سلسلة الدراسات التاريخية و الأيديولوجية، كتاب الفكر العربي/ 8 - معهد الإنماء العربي - بيروت، لبنان - الطبعة الأولى، 1948 - ترجمة، خليل أحمد خليل - ص 364. ومن باب التنويه، ثمة تحليلات موجزة في الكتاب لأيديولوجية الثورة في الوطن العربي من بينها الثورة الجزائرية ... =

= والفلسطينية، و في"العالم الثالث"للثورة الصينية و الكوبية و الفيتنامية إضافة إلى الثورة الروسية مقابل الفكر الاستعماري عمومًا أكان قوميًا أو طبقيًا أو عرقيًا / ص 454 - 500.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت