وفعليا، فقد حقق التيار اندماجا مع الجمهور، عبر منظومته القيمية والأخلاقية التي انحازت إلى السكان. وحيثما حلت كتيبة الجرمق في أحد مناطق الجنوب كانت تطبق نظرياتها. وكانت أمنية السكان ألا تغادر «الكتيبة» مواقعها. هكذا كانت محط إعجاب ومثالا يحتذى لدى الكثير من الإطارات والقوى السياسية والعسكرية وإلا ما كانت لتحظى بلقب «ضمير فتح» . وكان من الممكن أن تعمم هذه التجربة لولا أن الخط السياسي العام للثورة سار في اتجاه آخر وتحول «الضمير» إلى عبء وقلق لدى القيادة العليا.
اتسم قادة التيار، إجمالا، بالشجاعة والمبادرة ونكران عالي للذات ودماثة الأخلاق والبشاشة والحرص على سلامة الأفراد وإحاطتهم بحنان أبوي. وقد مكنت مثل هذه المزايا من نسج علاقات حميمية بين القادة وضباط وأفراد مختلف الوحدات العسكرية العاملة في كتيبة الجرمق، وبين هؤلاء وقادة لجنة التنظيم. وعوضت هذه العلاقات عن الإرهاق والتعب والعمل المضني على مدار الساعة. وفيما يلي بعض النماذج الدالة على طبيعة العلاقات السائدة بين القمة والقاعدة وعلى المعايير المنظِّمة للعلاقة.
? المسألة الأخلاقية والقيمية
من المسلكيات التي حظيت بعناية فائقة التركيز على المسألة الأخلاقية باعتبارها الشرط الحاسم لأية ممارسة ثورية والحِصْن الذي يقي الفرد من الانحراف والسقوط. واستدعت هذه المسألة جهدا مكثفا لمحاربة الاتجاهات التي تحتقر الأخلاق وتعتبرها قيما رجعية. لذا وُجِّه الموقف إلى الفئات التي تفصل بين الأخلاق والثورة، وإلى الفئآت الجديدة الملتحقة بالثورة والمحملة بأخلاق وعادات وقيم متباينة، وتلك الفئآت المحملة بتصورات تتناقض مع قيم الثورة واحتياجات المجتمع. فارتكاب الزنا والفواحش ومعاقرة الخمرة والاختلاط الجنسي ظواهر حوربت بشدة كونها تنطوي على مساس بالأخلاق العامة في مجتمعات ذات طابع محافظ. كما أنها تمس من صدقية «الثائر» الذي يُنظَر إليه كالمُنَزَّه عن ارتكاب الرذائل باعتباره طليعة تطوعت بنفسها للدفاع عن الوطن أو تحريره أو حمايته. ومن يكرس نفسه لأهداف جماعية يصير ملكا للثورة والمجتمع وليس ملكا لذاته ونزواته. ومن جهة أخرى فإن المسألة الأخلاقية إذا ما خدشت فقد تشكل مدخلا للمساس بالأمن الفردي والجماعي، وبالتالي فلسنا أمام حرية شخصية ولا قيما رجعية بل ضرورة ثورية لا تخضع للانتقائية ولا للمساومة ولا للتنشئة الاجتماعية ولا للثقافات المكتسبة من هنا وهناك. أما الكذب والرياء والمراوغة فهي صفات تتناقض مع الموضوعية وتعيق الوصول إلى الحقيقة إزاء التهويل أو التقليل من المعلومات المجتمعة. وقد يؤدي الغموض إلى اتخاذ قرارات خاطئة تجر إلى عواقب وخيمة. وثمة إشارة إلى أن الانفلات والاستخفاف بالنظام والانضباط