المعادية والطبقات المؤيدة للتغيير، وأن المجتمع من المستحيل أن يظل كلًا واحدًا أو يكون كذلك. بيد أنه عاد بعد قليل إلى الالتحام بالناصرية والتقى الرئيس المصري وبحث معه فكرة توحيد الحركات القومية العربية في حركة واحدة وعلى هذا الأساس أيد انقلاب البيروقراطية المصرية (أجهزة المخابرات) في اليمن على الجبهة القومية لتحرير اليمن في حين عارضته القيادة التقليدية [1] . وفي كل الأحوال فشلت محاولة الإدماج أو الاندماج واستعادت فروع الحركة في الأقطار العربية استقلالها مجددًا.
في الأثناء كانت منظمة التحرير الفلسطينية هي الكيان الذي أنشئ في صيغة عربية سنة 1964 ليعبر عن طموحات الفلسطينيين. وقد استهدف هذا الإطار المؤسسي السياسي تحرير فلسطين عبر حرب نظامية تشنها الجيوش العربية ضد إسرائيل بشكل مباغت وشامل لتحقيق حسم سريع للمعركة يتجاوز أية تدخلات خارجية لنجدة إسرائيل. ومنذ النشأة كانت أيديولوجيتها التنظيمية تقوم على تحقيق مواءمة أيديولوجية ترضي المنظمات الفلسطينية والقوى السياسية كافة والتي كانت تنقسم إلى تيارين، أحدهما يرفع شعار «الوحدة طريق التحرير» وتمثله حركة القوميين العرب والآخر يطرح الشعار مقلوبًا «العودة طريق الوحدة» وتنفرد به حركة «فتح» . وعبرت المادة الثانية عشرة في الميثاق عن هذا التوازن فنصت على أن: «الوحدة العربية وتحرير فلسطين هدفان متكاملان يهيئ الواحد منهما تحقيق الآخر. فالوحدة تؤدي إلى تحرير فلسطين، وتحرير فلسطين يؤدي إلى الوحدة العربية، والعمل لهما يسير جنبًا إلى جنب» . غير أن المشكلة ليست في البحث عن توازن بما أن المسألة تتصل بنهج قائم على رفض الكفاح المسلح الفلسطيني الهوية والمتمتع باستقلالية عن العمل القومي. وقد أثبتت هزيمة حزيران مدى الغبن الذي تعرضت له الحركة. وبينما كانت حركة «فتح» تحصد ما زرعته طوال عقد (1957 - 1967) كانت التيارات الأخرى وعلى رأسها حركة القوميين العرب «في حركة محمومة لمناقشة نتائج الهزيمة وأسبابها وتحديد موقف منها» . وعبر سلسلة من المؤتمرات والاجتماعات المتتالية شهدت الحركة، ربما للمرة الأولى في تاريخها، انتشارًا واسعًا للمنهج الماركسي في التحليل، وفي المطالبة بتغيير الخط السياسي للحركة التي وصفت بأنها «شبه برجوازية» وتحويلها إلى حزب ماركسي- لينيني، وعلى الأثر انتشرت تصنيفات «اليسار واليمين» فيها؛ فـ «اليسار هو الذي أعلن التزامه بالماركسية- اللينينية واليمين هو الذي رفضها أو الذي وافق عليها مع التحفظ والتروي. لكن الحرص على وحدة الحركة وعدم تشرذمها كان سائدًا في أوساط الفريقين» [2] .
هكذا فإن أول تأثيرات الهزيمة-الكارثة على حركة القوميين العرب تجلت في ظهور مراكز للقوى جاهرت بالتزامها بالفكر الماركسي. كان هذا هو موقف القيادات الناشئة، أما القيادات التقليدية فقد رأت في تقبل التغييرات الجذرية الطريقة المثلى للحفاظ على وحدة الحركة. ويغدو الانخراط في الكفاح المسلح الفلسطيني الهوية هو الذي سيمكن الحركة من الاحتفاظ بشرعيتها التاريخية الممثلة بالعمل القومي. ذلك أن إدانة «الناصرية» باعتبارها «برجوازية صغيرة» لم تكن لتعن القطيعة إنما اختلاف في منهج العمل الثوري. وبفضل الثقل التنظيمي لمراكز القوى
(1) نفس المرجع.- ص 47 - 48.
(2) جلول (فيصل) .- حركة القوميين العرب ... - مرجع سابق - ص190.