انكسارا هائلا يصيب مسار التطور المتصل (ص28) ». ولعل تطور مفهوم النسق، يُعد بحد ذاته ثورة بالغة الأثر. فحين يختل النسق ينتهز لورانس ستون « Lawrance Stone » الفرصة ليقرر أن «الاختلال الوظيفي» ما هو إلا: «الاعتراف بالحاجة إلى الاتساق بين النظام الاجتماعي من ناحية والنظام السياسي من ناحية أخرى (ص30،هامش4) » . هذا «الاعتراف» ذو قيمة عالية، حتى إذا ما بلغ الاختلال حد القطيعة أو زوال النسق فلا مناص، حينذاك من التدخل. وهنا تكفَّل علماء اجتماع الثورة بالتمهيد للتدخل المباشر (سياسيا وعسكريا) وغير المباشر (الثورة المضادة) مما سمح ببروز سياسات خطرة مورست ضد الثورات المناهضة للاستعمار أو الأنظمة السياسية القمعية خاصة بعد سيادة نمط الدولة- العالم، تلك الدولة التي تمتد مصالحها إلى كل بقاع الأرض. فكانت النتيجة سفك مستمر للدماء وإفقار وإذلال للشعوب المكافحة.
على كل حال فالمسألة، على الجانب الآخر، تتصل بنقض الأطروحات الليبرالية ونسف مبدأ «الاختلال الوظيفي» ورفض الاتهامات الموجهة للماركسية كأيديولوجية محرضة على العنف. لذا يقدم «كرازين» الأطروحة الماركسية عن الثورة ملاحظا أنها: «ليست غاية بحد ذاتها إنما وسيلة لحل مهام اجتماعية واقتصادية (ص53) » ، ويشدد على أن: «الثورة الاجتماعية ليست ظاهرة قائمة بذاتها تكمن عللها بداخلها. إنها تنفجر دائما بفعل طائفة من العلاقات الاجتماعية. كما أن الطبيعة الموضوعية للثورة لا يمكن تحديدها دون الإشارة إلى النظام الاجتماعي والاقتصادي السائد في المجتمع» . لذا فهو يحدد معيارين موضوعيين مترابطين لتحديد طبيعة الثورة، وهما:
1.«محتوى التناقضات الاقتصادية والاجتماعية والتي تجعل من التحولات الثورية حتمية تاريخية.
2.طبيعة النظام الاجتماعي الاقتصادي الذي تمهد له الثورة الأرض».
وعلى الرغم أن «كرازين» يقدم هذين المعيارين، باسم الماركسية: «للباحثين ليضعوا على هديهما تصنيفا علميا للثورة الاجتماعية» إلا أنه يستند إليهما في تقسيم الثورات الاجتماعية إلى ثلاث أنماط أساسية هي:
-الثورة ضد ملاك العبيد
-الثورة ضد الإقطاع أو الثورة البرجوازية
-الثورة الاشتراكية (ص36) ».
ولقد بات واضحا أن الأطروحة الماركسية، كالليبرالية، تقر بوقوع الثورة كظاهرة اجتماعية لها مجال اجتماعي محدد هو المجتمع والدولة والنظام، ولكن في إطار الحتمية التاريخية التي تتجلى بالبروز الحاد للتناقضات الاجتماعية الاقتصادية في المجتمع. وحين تقع الثورة، بهذا المحتوى، فمن المفترض أن تحمل الطابع الاشتراكي. ونحن نتساءل: إذا وقعت الثورة ولم يكن لها سمات محلية تبررها فهل ننزع عنها سمة الثورة؟ لعلنا نجد في الماركسية الأيديولوجية بعض الإجابة. فالثورة الاشتراكية هي الأكمل والأنضج، أما ما عداها فسيظل موضع التباس، إما لأن الطابع الحقيقي للثورة (الهوية والأهداف) غير واضح تجاه ملاءمته للمقالة الماركسية، أو لأن الثورة لم تحقق أهدافها بعد بحيث يمكن الحكم عليها سلبا أو إيجابا، وبالتالي: «سيظل محل انقسام بين الماركسيين» . وهذا الموقف ينطبق على «الثورة الألمانية (1918) وبعض الثورات التي اندلعت في أوروبا الشرقية بعد الحرب الثانية أو في آسيا وأفريقيا (ص36) » .