فهرس الكتاب

الصفحة 324 من 413

أما إسرائيل فقد طبقت على المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة ما سبق لها وأن طبقته على المجتمع العربي في فلسطين المغتصبة سنة 1948 بالعمل على خلق جيل ممسوخ الثقافة والانتماء أو فارغ من محتواه العقدي والتاريخي والحضاري تماما [1] . فهي (إسرائيل) ما جاءت إلا «لكي تخلق شعبا لا يهمه إلا كل ملذات الحياة، شعبا يصبح تحت سيطرتها، كأنه مجرد قطعان من العمال في شوارع ومصانع تل أبيب ويافا وباقي مدن فلسطين المحتلة، فزرعت أماكن الإسقاط الأخلاقي وتدمير القيم ونشرت فيديو الجنس والكوافير الخطير بكل مفهوم هذه الكلمة من أبعاد، ونشرت كل وسائل فسادها التي تجتاح الجيل من طفولته إلى رجولته» [2] . وإذا كانت الثقافة التغريبية قد أنتجت صراعا ثقافيا في المجتمع وأوجدت أنماطا ثقافية متغايرة فقد أفادت إسرائيل من هذا المناخ وتدخلت بشكل حاد في المجتمع، وبلا رحمة، الأمر الذي أدى، وبشكل مبكر جدا، مقارنة بالمجتمعات العربية والإسلامية الأخرى، إلى بروز ظواهر اجتماعية مدمرة كالانحدار الأخلاقي والزنا وتعاطي الخمر والمخدرات وشيوع العمالة. وكان من الطبيعي أن ينحسر الدين بشكل خطير كمنظومة دفاعية وملهمة [3] لمجتمع هو في أمس الحاجة إليها. وليس هذا فحسب، بل أن العبادات ذاتها تراجعت كالصلاة والصوم والزكاة ولم تعد حاضرة كثيرا في السلوك الديني لدى فئآت الفتيان والشباب الذين نظروا إليها كما لو أنها طقوس من اختصاص كبار السن، لاسيما فئة «الشيوخ أو الختيارية» [4] ، يؤدونها نيابة عن الآخرين. وكل هذه ظواهر يمكن ملاحظتها في الأوساط الريفية والمدنية على السواء. وإذا كانت القرية تمثل تاريخيا مخزنا للتدين والمحافظة والإيمان، وبالتالي فهي المعيار لقياس درجة التدين في المجتمع، فتكفي الإشارة إلى أن المساجد فيها تحولت إلى اسطبلات للبهائم ومخازن للحبوب لندرة المصلين وغياب الدين أو على الأقل هامشيته.

(1) عملت إسرائيل على تهويد الثقافة الإسلامية التي بلغت من الخطورة في الوسط العربي حدًا وصفه الشيخ هاشم عبد الرحمن سجاني بالقول:"لقد كدنا نصبح يهودا، وعندما فتحت لنا طريق الضفة الغربية -بعد حرب1967 - تعلمنا الكثير عن الإسلام، فكل الكتب الدينية التي لدينا الآن جاءتنا من الضفة الغربية وقطاع غزة، كما جاءنا الكثير من المحاضرين".الإحالة إلى: سارة (فايز) : الحركة الإسلامية في فلسطين، وحدة الأيديولوجيا وانقسامات السياسة - المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية -بيروت، لبنان- عدد124 - حزيران/ يونيو 1989 - ص 53.

(2) صحيفة الأنباء الكويتية - مرجع سابق - 8/ 10/1988. والمقصود بـ"الإسقاط الأخلاقي"، أسلوب قديم تتبعه المخابرات الإسرائيلية ضد الفتيان والفتيات الفلسطينيين يؤدي إلى اغتصابهم وتجريدهم من شرفهم وتصوير عملية الاغتصاب على أشرطة تسجيل"فيديو". والاغتصاب يقع بأساليب ملتوية وخداعية بواسطة المواد المخدرة التي يقع دسها في مشروب يتناوله الضحية حتى إذا ما استفاق وجد نفسه وقد فقد شرفه. وحينها يجري تهديده وتخييره إما بالتجند كعميل للمخابرات أو الفضيحة في مجتمع محافظ. وقد استعمل هذا الأسلوب بشكل كبير جدًا وخطير للغاية خاصة ضد من هم بعيدون عن الاهتمام السياسي وضد الفئآت العمرية الصغيرة (أقل من 18 عاما) حتى إذا ما شب هؤلاء فليس لديهم سوى المضي في العمالة بلا هوادة.

(3) راجع مفهوم"الإلهام"لدى: الهرماسي (عبد الباقي) .- الدين في المجتمع العربي، ندوة - مرجع سابق / ص17 - 18.

(4) (وصل الأمر حد السخرية بمن يصلي أو الخشية من الشعور بالدونية لمن هم دون العشرين من العمر إذا ما اكتشف أقرانهم أنهم يؤدون الفرائض. وهذا مؤشر على أن الدين فقد الكثير من قيمته الاجتماعية والأخلاقية والروحية، وهي مسألة تمس من وظيفة الدين وقدرته على الضبط الاجتماعي للفرد والجماعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت