تميزت وضعية الفلسطينيين غداة النكبة بحالة عامة من «انعدام الوزن» بعد أن انتهى بهم الأمر شعبًا «تائهًا يعاني الضياع في معسكرات التجميع ... فاقدا لوعيه وفكره، يعيش في ذهول بسبب الحركة السريعة التي تطورت بها الأحداث من حواليه .. وزاد في تعقيد"الحالة"سنوات الجوع الثلاث .. بحيث لم يعد قادرا على التفكير المنظم المسؤول، وبقي يتابع الأخبار والأحداث التي يصنعها له غيره» [1] . وفيما بين سنتي 1953 - حزيران/ يونيو 1964 لم يتبق من الهوية الفلسطينية شيء يذكر. وتسبب اختفاء الهوية فضلًا عن سنوات الجوع وفقدان المنزلة في إصابة اللاجئين بذعر سياسي واجتماعي، بل باضطهاد شامل. ففي مستويات مختلفة شنت أجهزة السلطة الأمنية حملات منظمة من الاضطهاد لم تفلت منها: «حتى كلمة"فلسطيني" (التي) حرّمتها بعض الأنظمة العربية، واعتبر تردادها، ولو من قبيل التعريف عن الهوية استفزازًا للنظام يستحق العقوبة و"التأديب".. ومنذ ذلك الحين أصبحت كلمة «لاجئ» أبغض كلمة في قاموس اللغة العربية على قلب الإنسان الفلسطيني لما أضحت توحي به من معاني القهر والسحق والإذلال» [2] . وإلى جانب الأجهزة الأمنية جرى تحشيد فئات اجتماعية متمايزة، بوعي أو بدون وعي، لشن حملات تحقيرية ضد الفلسطينيين الذين كيلت لهم اتهامات ببيع أراضيهم أو الفرار منها، وإصابتهم «بالعجز والاتكالية وانحراف معايير السلوك» وإخضاعهم لحصار شمل المأكل والملبس والعمل والزواج والتنقل والسفر ودفن موتاهم عدا حظر النشاط السياسي والثقافي والاقتصادي والتجسس عليهم ومراقبتهم وملاحقتهم وحظر استعمال وسائل الإعلام على اختلافها ... الخ ولم يعاملوا حتى كبروليتارية رثّة. إنها، في الواقع، وصاية أمنية لا إنسانية ولا أخلاقية أدخلت الإنسان الفلسطيني في «التيه» وحولته من «بشر» إلى «جسد» . وقد خلقت هذه السياسة العربية «المضيفة» للاجئين (حسب تعبير جامعة الدول العربية) عمومًا وفي لبنان خصوصًا «مشاعر مريرة في نفس الفلسطيني التائه، من بعض جوانبها عقدة الإحساس بالاضطهاد» [3] والتي ما زالت تلازمه حتى الآن، برغم عشرات الآلاف من الضحايا، وكأن الفلسطينيين أناس «موبوؤون بالطاعون» [4] .
ولكن لماذا تُجْمِع دول الاستقلال على اضطهاد حاد لأناس هم في أمس الحاجة للمساعدة، ولم يكونوا مسؤولين عن النكبة خلافًا لما رُوِّج ضدهم؟ فالعرب باعوا أكثر من نصف الأراضي التي امتلكها اليهود قبل قرار التقسيم، والفلاحون الفلسطينيون الذين يشكلون غالبية سكان المخيمات والشتات لم يبيعوا أزيد من 10% تحت تأثير شتى أساليب الضغوط والخداع التي مورست ضدهم. أما حجم الأراضي المباعة كلها فبالكاد تصل إلى6%من مساحة فلسطين أو أكثر بقليل. ثم أليس العرب الرسميون هم الذين طلبوا من الفلاحين والعمال أن يخلدوا «إلى السكينة والهدوء اعتمادا على ثقة الصديقة بريطانيا التي وعدت بتحقيق العدل» ؟ إبان ثورة العام1936 التي عرفت بثورة الفلاحين واجتاحت فلسطين بكاملها وشكلت أكبر خطر حاق بالمشروع البريطاني- الصهيوني؟ لماذا
(1) عدوان (كمال) ، حديث: فتح، الميلاد والمسيرة - شؤون فلسطينية - بيروت، لبنان - عدد 17 - كانون الثاني/ يناير1973 - ص46.
(2) الحوت (شفيق) .- بين التيه والدولة - مرجع سابق - ص 29.
(3) نفس المرجع.- ص 30.
(4) خلف (صلاح) .- ... بلا هوية - مرجع سابق - ص 75.