لتكريس الانقسام الاجتماعي والسياسي بين الفلسطينيين سواء وعوا ذلك أم لم يعوه. وإذا أردنا أن نكثف من المسألة سنقول مثلما قال صاحب «التيه» : «لم تكن المشكلة في خطأ الراية بل في خطيئة من حملوها» [1] . ولكن ماذا ينفع هذا القول، في حينه، بينما التيه والانقسامات ... الخ هي تعبيرات الخطيئة؟ إذن ما هو السبيل للخروج من التيه؟ هنا اقترحت حركة «فتح» تصورًا جديدًا للهوية يقلب المعادلة فيحولها إلى صيغة «فلسطيني-عربي» . ومن الواضح أن هذه المعادلة تقدم الهوية الفلسطينية على الهوية العربية، وهي فعلًا معادلة تتماثل مع واقع التجزئة التي تشكل الدولة القطرية حجر الأساس فيه، ولكن بما أن الهويات القطرية القائمة لم تُخرج أصحابها من عروبتهم فكيف لها أن تُخرج الفلسطينيين من عروبتهم وهم في أمس الحاجة إليها؟ كما أن الهوية الفلسطينية، سياسيًا وقانونيًا، دعوة تتماثل مع معايير النظام الدولي وأنماط العلاقات السائدة فيه، والقائمة على الاعتراف بالقطريات لا الدول فقط بل وقوميات مستقلة. إذن أين تكمن المشكلة؟
في المستوى العربي فإن الدعوة إلى هوية فلسطينية ومستقلة وُجِّهت نحو الوصاية العربية التي احتوتها سياسيا وقانونيًا. وأن أية دعوة من هذا القبيل ستؤدي إلى إثارة المشاكل مع الدول العربية سواء تلك التي تمارس وصاية على الأرض والشعب أو تلك التي تمارس الوصاية على الشعب، وكلاهما يرفض أي تعبير أو نشاط سياسي مستقل للفلسطينيين، ومن جهة أخرى فإن تمرير الدعوة إلى الهوية المستقلة قد لا يقوى على تحمله الفلسطينيون فيؤدي إلى دخولهم في مساومات سياسية وفتح الباب أمام الدول العربية لتتحلل من مسؤولياتها، بيد أن حركة «فتح» كانت تفكر بطريقة مغايرة، فإذا ما جرى ترقية الكفاح المسلح، وهو هدفها، ووضعه في إطار الحتمية التاريخية فإن الشرط الأهم والحاسم لتشريعه أن يكون له هوية وطنية وأهداف سياسية ورافد بشري. لذا كان لزامًا على «فتح» ، كيما تشرع في هدم الأبنية الأيديولوجية القائمة، أن تتوجه إلى حشود الشتات للفت انتباههم إلى فاعليتهم وقدراتهم وحفزهم على ضرورة الشعور والتفكير جديًا بأهمية الحاجة إلى هوية مستقلة إذا كان لهم أن يكونوا أسياد قضيتهم. وعللت «فتح» الدعوة بـ:
? المسؤولية السياسية العربية التاريخية عن وقوع النكبة وتكريس آثارها عبر استمرار استبعاد الفلسطينيين من التقرير في شؤونهم وفرض وصاية شاملة عليهم أينما كانوا، وتجريدهم من الهوية السياسية حتى في مواجهة الأعداء، وإخضاعهم لاضطهاد شامل وإلقاء المسؤولية عليهم.
? تأجيل الدور الفلسطيني أو إبقائه في إطار الإستراتيجيات العربية الرسمية والحزبية بانتظار تحقيق الوحدة العربية التي ضُرِبت في الانفصال.
? غياب أية مخططات عربية لحسم الصراع مع إسرائيل. وتأكيد هذا من خلال تصريحات الرئيس المصري أمام أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني بغزة سنة 1962 حين قال: «إن الذي يقول أنه وضع خططًا لحل قضية"فلسطين"إنما يخدعكم، فأمامنا قضية معقدة ويجب أن نستعد لها بكل القوى المعنوية والمادية» [2] .
(1) نفس المرجع.- نفس الصفحة.
(2) أبو النمل (حسين) .- قطاع غزة ... - مرجع سابق - ص 201.