فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 413

القومية، فقد تحولت حركة القوميين العرب إلى تنظيم فدائي ثم إلى تنظيمات فدائية لها أحزاب سياسية، كما نزع حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا والعراق إلى تشكيل منظمات فدائية مسلحة للخروج من المأزق الذي أوقعته فيه الكارثة. وبدأت الشخصية الوطنية الفلسطينية يعبَّر عنها بالشخصية المناضلة التي فرضت نفسها في صورة «الفدائي البطل» . وبدلا من شخصية اللاجئ، فاقد الهوية، بدأ العالم يتعرف على الفلسطيني من خلال انتظامه بثورة مسلحة تقاتل من أجل أهداف سياسية واضحة [1] . وتعززت هذه الشخصية بتسلم المنظمات الفدائية القيادة في منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الإطار المؤسسي الذي يمثل الشعب الفلسطيني والذي يحظى باعتراف عربي. يبقى الجانب الأهم في «الشخصية الفلسطينية المناضلة» في كونها تعبير عن هوية اجتماعية لا سياسية فحسب. فالاندثار قضى على الوحدة الجغرافية والديمغرافية للمجتمع الفلسطيني، وفكك مجمل العلاقات الاجتماعية أيا كان مستواها ابتداء من الأسرة وانتهاء بالمؤسسة السياسية. وتحت وقع الاضطهاد اليومي كانت الشرائح الاجتماعية في الشتات تستجدي التغيير الذي يعيدها إلى «جنانها» مهما كان مصدره تمامًا مثل حركة القوميين العرب، كنموذج، توسل، على الدوام، الثأر بالوحدة العربية. ولكن كيف يمكن تحقيق ترابط اجتماعي بين الفلسطينيين بينما هم في وضعية الاندثار؟

لا ريب أن إطلاق الثورة المسلحة كان حدثًا هائلًا في حينه خاصة أن المناخ السياسي العربي متسم بالجمود والهوية السياسية الفلسطينية، كرمز للوجود الاجتماعي المستقل، كانت في طريقها إلى التلاشي، أو على الأقل التحكم في حجمها عربيا ودوليًا، وتبعًا لذلك تحمُّل الفلسطينيين لمزيد من الاضطهاد إلى أجل غير محدود. لهذا جاء الكفاح المسلح «ضرورة قصوى» لأنه «لم تكن لدينا وسيلة أخرى لفرض القضية الفلسطينية على انتباه الرأي العام العالمي، ثم وبخاصة، لتجميع جماهير شعبنا داخل الحركة الشعبية التي سنسعى لإنشائها» [2] . وإذا كان الكفاح المسلح الوسيلة الوحيدة للتحرير فانه ما من وسيلة أخرى لإعادة تركيب المجتمع الفلسطيني، نفسيًا، في وحدة اجتماعية غير تقليدية (طارئة) . إنها «وحدة الرصاص» على حد تعبير كمال عدوان، وحدة نضالية تبلور شخصية مناضلة. وبدون أدنى شك فقد مثل «الفدائي» الذي ظهر في المخيمات والتجمعات الفلسطينية الرمز الأسطورة الذي ما أن يُسمَع بوجوده في المخيم، في بداية الانطلاقة، حتى لا يبقى ساكن، في بيته، طفلا كان أو شيخا، إلا ويخرج لملاقاته [3] . وهذا اعتراف لا مثيل له، لدى الفلسطينيين، بالشخصية الجديدة أو «البطل» الذي تعرَّف فيه المجتمع الفلسطيني على ذاته وعرَّف الآخرين به عبر «الشخصية المناضلة» .

(1) عدوان (كمال) .- الميلاد والمسيرة - مرجع سابق / ص 48 - 49.

(2) خلف (صلاح) .- بلا هوية - مرجع سابق / ص 68 - 69.

(3) من الغريب أن نفس الموقف ظهر لدى الجمهور العربي بعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان إثر الحصار الإسرائيلي للعاصمة بيروت صيف العام 1982. وبدا"الفدائي"لدى اليمني أو السوداني أو الجزائري أو التونسي كما لو أنه إنسان"مقدس"،"نقي"،"طاهر"،"مبارك"، والظفر بلمسة يد منه أو كتف كان يعني"التبرُّك"به. وفي الحقيقة كانت صدمة لدى الجمهور العربي بعد أن اكتشف مع الزمن أن"الفدائي"أو"الفلسطيني"هو الإنسان ذاته الذي يعيش في تونس أو الجزائر أو ... الخ وليس مبعوثا إلهيا ولا صحابيا ليظل"مقدسا". والحقيقة أن المواقف الشعبية انقلبت رأسا على عقب، في كثير من الأحايين، لما تراءى لها صور الفساد والترف والمجون فضلا عن السلوكيات المنبوذة شرعا وهي تكتسح مختلف المراتب التنظيمية والسياسية في الجسم الفلسطيني غير عابئة بأية ضوابط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت