داخل السجون وليس خارجها فحسب. وحتى الآن لم تقدم الدولة مبررا لحملتها تلك سوى تهمة «التآمر على الدولة والاغتيال ومحاولة قلب نظام الحكم» وهي تهم أثير حولها جدل كبير كونها فضفاضة تتسع لكل زمان ولكل صنوف التعذيب والقتل. وعلى أساسها ولأسباب أخرى استأنفت الحكومة حملتها الثانية سنة 1965 حتى إذا ما امتلأت السجون مجددا بعشرات الآلاف (أكثر من 30 ألف معتقل) كانت أحكام الإعدام بانتظار المئات لتتوج بعد مضي عام على الحملة بإعدام سيد قطب ولكن هذه المرة بالرغم من كبر سنه. وفي الحملتين لاقى «الإخوان» من التعذيب والتنكيل ظلما دفعهم إلى التساؤل: عما إذا كان الحاكم مسلما؟ أم كافرا؟ والمقصود بذلك جمال عبد الناصر. وفي مرحلة تالية، عما إذا كان السجانون كذلك، ممن يشار إليهم بالمسلمين؟ وأخيرا شاع التساؤل، عما إذا كان المجتمع الذي يعيشون فيه مجتمعا إسلاميا؟ وكانت النتيجة أن خُلع على المجتمع صفة «الجاهلية» التي أصَّل لها سيد قطب قبل إعدامه حيث يُنظر إلى كتابه «معالم في الطريق» العلامة الفارقة في فكر التكفير والتجهيل [1] .
وهكذا تسببت الأحداث والضربات المتلاحقة بظهور تصورات أيديولوجية في عمق الدين فككت الجماعة إلى أربعة تيارات إسلامية تجتمع حول العقيدة لا عليها وتفترق في تحديد الوسيلة لإقامة الدولة الإسلامية. وفي هذا السياق يشار إلى الجماعات التالية:
? السلفيون. ويعتقدون أن السبيل إلى إقامة الدولة الإسلامية وبناء المجتمع الإسلامي هو التربية الدينية؛ تربية الراغبين من الأفراد وتربية الأبناء ليصبحوا أهلا لتمثيل النسق الإسلامي في الإنسان المسلم.
? «الإخوان المسلمون» . وهم الجماعة المركزية الذين لا يزالون يحملون اسم الجماعة الأم.
? جماعة المسلمين. وهي التي اشتهرت باسم «التكفير والهجرة» .
? جماعة الجهاد.
هذه التشكيلات الأربعة تمخضت عن حوارين داخل الجماعة قام الأول بعد العام 1954 وأسفر عن ولادة التوجه التربوي والإصلاحي (السلفيون والإخوان وجماعة المسلمين) . وقام الثاني على خلفية كتاب «معالم في
(1) في الواقع فإن جذور التكفير لدى الجماعة انطلقت مقدماتها الأولى من السجون المصرية في أواخر أيام حسن البنا مؤسس الجماعة. فقد تمخض عن مشاركة الجماعة في الجهاد في فلسطين توجه غربي للانتقام منها الأمر الذي صعَّد الخلاف مع الدولة إلى نقطة اللاعودة لينتهي في العام 1948 بحلها واعتقال قادتها وأفرادها ومصادرة ممتلكاتها. أما حسن البنا فقد أُبقي خارج السجن. وألمح في حينه إلى أن الدولة قررت اغتياله بهذا التدبير. وفعلا اغتيل"البنا"بعد أقل من شهرين على حل الجماعة. ونجم عن هذه الأحداث ضغوطًا شديدة مورست ضد سجناء الجماعة. ويشير أبرز مؤرخي الجماعة أن"الإخوان"امتهنوا بما أصابهم في السجون وبما لحق بأهليهم وشرفهم بقدر ما امتهنوا بأمر صدر بتعليق الآية القرآنية على جدران السجون:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فسادا أن يُقتّلوا أو يُصلَّبوا أو تُقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنْفَوا من الأرض، أولئك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم" (سورة المائدة، الآية 33) . قارن مع: ميتشل (ريتشارد) . - الإخوان المسلمون - مرجع سابق - ص162،164.