بحيث يكون دور «العامل المساعد» مقصورا على إنضاجه خلال الفترة المقترحة. وطالما أن «العامل المساعد» لا يرى أية إمكانية لإصلاح «فتح» من الداخل بتركيبتها القائمة ومواقفها السياسية الحالية، وليس ثمة مخططات لبناء تنظيم مستقل فلا بد من المساهمة في وقف التدهور أو العمل على إبطائه قدر الإمكان وإنقاذ الإطارات التنظيمية والسياسية والعسكرية، الممكن إنقاذها، من اليأس أو التخلي عن القيم الثورية والأخلاق الحميدة ووقف الاستنزاف البشري الذي تتعرض له قوات الثورة.
لا ريب أن هذه الأطروحات التي عبر عنها «العامل المساعد» طمأنت القيادة العليا في «فتح» المسكونة تاريخيا بشبح القيادة البديلة أو التيارات المتشددة ذات النزعات الانشقاقية والانقلابية أو التكتلات المعارضة. ومن الواضح أننا أمام «خطة عمل» داخلية كانت تطبيقاتها تصب في مصلحة «العامل المساعد» ونموه، وفي نفس الوقت ترضي القيادة طبقا لظروف السبعينات وطبيعة «فتح» التي كانت لما تسمح بعد للمبادرات الذاتية أن تشق طريقها نحو الظهور. غير أن الرضا تحول في كثير من الأحايين إلى عداء وبغض صريحين للعامل المساعد. فالتعبير الجريء والصارم عن المواقف السياسية والتنظيمية والعسكرية ظل يؤرق القيادة السياسية للحركة لأنه غالبا ما شكل خروجا عن المسار السياسي العام الذي رسمته. ولقد واجهت «فتح» مشكلتين في حال تَقرّر المس بالتيار، الأولى: أنه مثَّل ملاذا نفسيا أو أخلاقيا وعزاء للإطارات المحبطة والساخطة والتائهة داخل الحركة، حتى أن مسلكياته إزاء الكثير من المواقف مثلت بلسان صلاح خلف «ضمير فتح» [1] . أما الثانية: فهي أن فصل التيار من «فتح» قد يخلق متاعب لدى الحركة التي تمسك بزمام القرار السياسي وتتقدم على كل المنظمات الفلسطينية. وإخراج التيار قد يدفعه للإعلان عن نفسه تنظيما مستقلا. وهو احتمال يظل قائما بالرغم من كونه مستبعدا عمليا لدى التيار الذي يبغض الحزبية وتعدد التنظيمات زيادة عما هو قائم. لذا وقعت القيادة في حيرة إزاء التعامل مع التيار. وفي هذا السياق ينقل منير شفيق عن محمد بحيص ردا دقيقا حول رؤية التيار لمكانته في «فتح» ومصيره فيقول: «نحن نعلن ما نراه صحيحا في السياسة والمواقف ونمارس ما نراه صحيحا ولا نبالي أًوَجَدَ ذلك قبولا من القيادة أو لم يجد، ولنترك لهم أن يقرروا بقاءنا في فتح وتحمل هذا الخط المتميز أو عدم بقاءنا. وإذا كنا راغبين في البقاء ونراه الخيار الأفضل فإننا لا نخشى من إلقائنا خارجا» [2] .
لا شك أن كلام «بحيص» ينطوي على بدائل ليس الانسحاب من ساحة الكفاح الوطني واردة فيها باعتبار أن التنظيم السياسي ليس شرطا للعمل أو لمتابعته. أما المراهنة، في ظروف السبعينات، فكانت على أهلية التيار عبر امتداداته التنظيمية وعلاقاته الواسعة التي يمكن أن تشكل غطاء لفعالياته السياسية والعسكرية بحيث يمكن الاستغناء عن التمويل الذي تقدمه حركة «فتح» ، وبالتالي عدم اعتباره عقبة أو وسيلة ضغط لتقليص فعالياته أو ثنيه عن توجهاته. والثابت أن مثل هذه الفرضية وقع اختبارها في الفترة ما بين تشكيل السرية الطلابية حتى
(1) نفس المصدر.- ص 114.
(2) نفس المصدر.- ص 51.