فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 413

تنقضي فترة المحكومية غير القابلة لعفو أو تخفيف أو أي شرط إنساني بما في ذلك الوفاة. وكان على السجناء ذوو الأحكام الطويلة والذين يدركون محدودية فرصتهم في التحرر أن يبادروا إلى تزعم سلسلة طويلة من النضالات الهادفة إلى رفع الروح المعنوية لدى زملائهم وتحصيل أقصى ما يمكن من الحقوق المصادرة كالدواء والغذاء والملبس وسعة المكان ... ولئلا تذهب نضالاتهم سدى لم يكن ثمة بديل عن تنظيم أنفسهم وبلوغ حد من الانضباط والصرامة والطاعة في علاقاتهم البينية ومع سلطات السجون بما يفوق حال منظماتهم في الخارج أو حتى حال سجانيهم. ولقد ذهل السجانون من النجاح الباهر الذي حققه السجناء في إرساء هياكل تنظيمية وقيادية وإدارية تشتمل على لجان قضائية، صحية، غذائية، سياسية، اجتماعية، علمية وثقافية ... الخ تقودها هيئة منبثقة تدعى اللجنة المركزية التي تمثل عموم الحركة الأسيرة في علاقتها مع سلطات الاحتلال عامة وليس فقط مع سلطات السجون. فاللجنة القضائية كُلفت في الفصل بين النزاعات وإصدار الأحكام. ولها من الصلاحيات ما يخولها توجيه الاتهام فيمن يشتبه في تعاونهم مع سلطات السجون أو الأجهزة الأمنية ومن ثم القيام بالتحقيقات اللازمة والحق في إصدار عقوبات قاسيه تصل حد الحكم بالإعدام على العملاء. أما اللجان العلمية والثقافية فقد نجحت في تحويل السجن إلى مدرسة (جامعة بتعبير السجون) أتاحت لغالبية السجناء الذين لم تتح لهم فرصة التعليم الثانوي الفوز بشهادة الثانوية العامة أكثر من مرة داخل السجن. ويمكن القول أن أعرافا وتقاليد مضبوطة باتت تميز الحياة الاجتماعية داخل السجون هي فعلا من صنع الحركة الأسيرة. ومن بين الأعراف الشهيرة والثابتة أن يختار السجين الجديد، بعد صدور الحكم عليه، الالتحاق بتجمع منظمته داخل السجن. وإذا لم يكن منتميا لأي تنظيم فعليه الاختيار بين أحد التجمعات المعترف بها مثل «فتح» ، الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية أو القيادة العامة ... الخ

مع نهاية الستينات وإطلالة السبعينات أخذت ملامح تنظيم السجون على النحو السالف تستقر تدريجيا. ومثلت على المستويات السياسية والأيديولوجية صورة منسوخة وأشد تنظيما لحالة المنظمات الفدائية في الخارج والتي تدور في فلك الأيديولوجيات العلمانية بما في ذلك حركة «فتح» التي غزتها التيارات اليسارية. لذا «لم يكن في السجون ثمة تيار إسلامي ولا توجه من هذا القبيل ولم تكن الفكرة الإسلامية الجهادية لتطرق بال السجناء» [1] . ولكن بدء من التاريخ إياه أخذت تتبلور أنوية تنظيم إسلامي عبّر تدريجيا عن نفسه بأسماء مختلفة ما لبث أن تمخض عن فكر جهادي كُشف النقاب عنه ابتداء من النصف الثاني من السبعينات، ونشطت عناصر قيادية فيه في الكتابة والنشر عبر مجلتي «الطليعة» و «المختار» اللتان صدرتا عن مجموعات الطلبة في مصر ابتداءً من سنة 1979. وقد أطلق تعبير «المنفلشين» ، فيما بعد، على هذه الأنوية كناية عما يصفه أسرى المنظمات الفدائية بالخروج عن الإطار الوطني أو منظمة التحرير الفلسطينية. أما هم فقد أسموا أنفسهم بـ «الجماعة الإسلامية» . فكيف ظهرت هذه الجماعة؟ ولماذا حظيت بأهمية كبرى بين آلاف السجناء بينما هي تؤلف بضعة عشرات فحسب؟ وكيف خرجت أعداد كبيرة منها من السجون؟

(1) مقابلات مع يوسف عمرو، وهو سجين سابق - 13/ 7/1998، 17/ 8/1998 و 15/ 2/1999.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت