مقابل الجلاء عن القناة. وتزعمت عائلة الشوا القوية في غزة الفكرة وروجت لها حتى «نتنفس» و «يلعب الدولار» . وطوال مفاوضات الجلاء مع بريطانيا كانت مصر تبذل جهودا جادة للغاية، بالتعاون مع الأمم المتحدة والقوى الدولية والقبول العربي الضمني، من أجل توطين تدريجي للاجئين الفلسطينيين في منطقتي العريش وسيناء المصريتين. وحين كانت العائلات المنافسة في الضفة الغربية تعد العدة للاندماج مع الضفة الشرقية كانت بعض تشكيلات النخبة، وفي قلعة الحسينيين، تعبر صراحة عن رغبتها في إلحاق غزة بالأردن.
ولا شك أن العامل الاقتصادي كان أحد أهم الديناميات الحاسمة في تحولات المواقف السياسية لدى تشكيلات النخبة. وبفعل طغيان الجغرافيا السياسية والاقتصادية أشبعت النخبة في الضفة الغربية بوجوب الارتباط بالضفة الشرقية النافذة الوحيدة للانفلات من المأزق الاقتصادي، وفي ذات الوقت الإطاحة بالزعامة التقليدية. وعلى اختلاف اتجاهاتها اندفعت الزعامات السياسية تدريجيًا نحو التكيف والاندماج في الواقع الجديد. ولم يكن سهلًا على العائلات المتسلطة أن تواصل تمسكها بامتيازاتها السياسية وولاءاتها القديمة وتجاهل مصالحها الاقتصادية وما يمكن أن تقدمه الضفة الشرقية من إغراءات سياسية واقتصادية بديلة. وبخلاف الضفة الغربية، كان العامل الاقتصادي في غزة هو الميكانيزم الذي يوجه المواقف السياسية التي تباينت وانقسمت على غير هدى لأن البحث عن السلطة لم يكن من البروز أو التميز مثلما ظهر في الضفة وأدى إلى ما يشبه الانقلاب على زعامة المفتي. كما أن الانقسام السياسي لم يكن مؤصلًا فيما بين تشكيلات النخبة. ولم يكن في غزة، إذا ما استثنينا صراع الحسينيين مع زعامات الضفة الغربية الجديدة، سوى صراع على مصالح بين جميع القوى السياسية والاجتماعية، وبالتالي فإن العلاقات الاقتصادية إن كانت قد تأثرت فلم تصل أو لم يكن مقدرًا لها ذلك، إلى حد القطيعة أو ما يشبهها مثلما حدث في الضفة. وعلى العكس من ذلك فقد كان لكبار الملاك والتجار مصالح استراتيجية واحدة تتمثل في تركيز بنى اقتصادية احتكرت قطاعات الإنتاج وهيمنت على حركة التجارة المحلية والدولية. وكان لهؤلاء مراكز نفوذ قوية لخدمة مصالحهم والدفاع عن امتيازاتهم الاقتصادية وسياساتهم كالمجلس التشريعي وكذا المؤسسات البلدية والنقابية وإدارات الحكم المصري التي شكلت أوكارًا نافذة لممارسة الضغوط وتغيير المواقف على نحو درامي.
وإجمالًا ارتبط رأس المال المحلي في الضفة الغربية بالضفة الشرقية وغدا يتحرك في نظامها السياسي والاقتصادي أكثر مما ارتبط وتحرك في النظام الاقتصادي والاجتماعي المستجد. ولا شك أن غياب التراكم الرأسمالي أو السيولة المالية الكافية وسم النظام الاقتصادي في الضفة باللاإنتاجي الأمر الذي أدى إلى انخفاض مستوى المعيشة وهجرة كثيفة إلى الخارج. وأكثر من ذلك ما حدث في قطاع غزة الذي تعرض لأسوأ تاريخ اقتصادي واجتماعي. فقد سيطر كبار الملاك والتجار على الاقتصاد وحولوه إلى قطاع أحادي الإنتاج. وربطوا مصالحهم الاقتصادية بالسوق العالمية وأفرغوا قطاع غزة من السيولة النقدية ورأس المال وحرموه من أية فرصة للتنمية إلا ما يخدم مصالحهم. ولاحقوا الحشود البائسة من العمال والفلاحين والموظفين في كل مكان داخل القطاع وخارجه واستحوذوا على إنتاجهم ومدخراتهم. وحتى مصر الاشتراكية لم تنج من رأسماليي غزة الذين أغرقوها بالسلع الكمالية. وهكذا لم يبق من الضفة والقطاع سوى مفارقة درامية تذكر بما تعرض له المجتمع