-الشرائح التي فقدت رأس المال كليًا أو جزئيًا ولم تفقد مؤهلاتها كالكفاءات المهنية المتخصصة والأكاديمية والوظيفية وهذه كانت خسارتها مؤقتة، ونجحت سريعًا في التكيف والاندماج واستعادة مكانتها الاقتصادية والاجتماعية.
إذا أخذنا بعين الاعتبار هذا التكون المتمايز داخل «طبقة» المعدمين فإن إحداث الحراك الاجتماعي يصبح أمرًا لا مفر منه بحيث يبدو من العسير إغفال الفوارق الاجتماعية حتى غداة اللجوء، فالرصيد الذي تمتعت به الشرائح المؤهلة شكل مدخلًا موضوعيًا لها لاستثماره في العمل ضمن المنظمات الدولية خاصة في مؤسسات الأمم المتحدة ووكالة الغوث التابعة لها [1] . كما حفز أعدادا كبيرة منها على الهجرة إلى الخارج للعمل و (أو) للاستقرار تخلصًا من الأوضاع الاقتصادية البائسة أو لمواجهة البطالة أو بسبب القيود على (أو الحرمان من) العمل في تجمعات الشتات. ولقد أدركت مختلف الشرائح أهمية الاستثمار في التعليم. و «أصبح الكثير من العائلات الفلسطينية، وبعد خسارة معظم ممتلكاتها بسبب التشتت خارج فلسطين، يرى في التعليم العالي أحد المقتنيات القليلة التي لا يمكن خسارتها والتي قد تؤسس لمستقبل أكثر أمنا ً» [2] . والأكيد أن النكبة أظهرت التعليم كأحد أبرز الديناميات الفعالة في تحقيق الأمن الاجتماعي. ولكن ما الذي جعل التعليم بديلًا مميزًا غداة النكبة؟ لا شك أننا بصدد فرضية متينة تدفع إلى الفحص بحيث يجري البحث، من خلالها، عن «طبقات» أخرى في المجتمع الفلسطيني المشتت بشرط الانطلاق من خلفية ملائمة تسبق اللجوء. والسؤال الذي يشق الطريق لا يتعلق بمدى يسر التعليم أو انتشاره بين حشود اللاجئين، إنما في تعيين الفئات الاجتماعية التي نجحت في الاستثمار فيه. أي أن احتياجات البحث، هنا محددة بدقة، وهي الكشف عن الفئات المستفيدة من مواصلة التعليم وتتبع مسارها.
عمومًا، وتجاوزًا لمشاكل التعليم زمن الحكم البريطاني في فلسطين؛ فإن 30% من الفلسطينيين باتوا يقرؤون ويكتبون عند نهاية الانتداب وكلهم من الأجيال الصاعدة [3] . وهذه النسبة تشتمل على مستويات التعليم كافة بدء من محو الأمية وانتهاء في أقصى درجات التعليم الجامعي وغيره. وهي نسبة تحتل المرتبة الثانية عربيا بعد لبنان منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين. والمهم فيها أنها تستغرق جميع الفئات الاجتماعية التي تلقت تعليمًا، وعلى كل المستويات. وفيما عدا الشرائح المتنفذة والعائلات العريقة التي غالبًا ما استأثرت بالتعليم فإن التوسع في التعليم في فلسطين أتى استجابة لِ:
? متطلبات النمو الحضري السريع وتحول الكثير من القرى الكبيرة إلى مدن فضلًا عن تعاظم دور المدينة.
? احتياجات مؤسسات الحكم الاستعماري الكثيفة في فلسطين لخدمة 100 ألف بريطاني.
(1) يشير أحد الباحثين أن عدد اللاجئين الذين عملوا في مشاريع الوكالة الدولية للإغاثة (الانروا) في الأردن (على مستوى الضفتين) بلغ نحو 6000 شخص عام 1950. هلال (جميل) .- الضفة الغربية ... - مرجع سابق - ص26، حاشية رقم 29.
(2) براند (لوري. أ) .- الفلسطينيون في العالم العربي ... - مرجع سابق - ص68.
(3) بدران (نبيل أيوب) .- التعليم والتحديث، الجزء الثاني - مرجع سابق - ص25.