التخييلات البيانية من تشبيه واستعارة وكناية ونحو ذلك. ولما كان الخيال صورة من صور الكذب قيل: إن أعذب الشعر أكذبه، ولكن ليس ذلك على إطلاقه، فإن العمدة في حسن الشعر وجودته على صدق الشعور وجمال التعبير. وكم من أبيات اعتبرت من عيون الشعر بينما هي لا تعتمد على أي صورة كاذبة، وإنما تتجلى بلاغتها في حسن إصابتها للمعنى الصحيح وحسن صياغتها في تعبير جميل، ولعل حسان - رضي الله عنه - كان يعني هذا الميزان حينما قال:
وإن أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقًا [1]
ومناسبة ذكر هذه المسألة في باب الشهادات هو الشاعر إذا كذب هل تقبل شهادته؟
ومسألتنا: في حكم خروج الشاعر إلى حد الكذب في وصفٍ، أو مدح وإطراء (بدون أن يهجو، ولا يتعرض لعرضٍ، ولا يشبب بامرأة معيّنة) .
فالكذب في الشعر إما أن يمكن حمله على المبالغة، وإما ألا يمكن حمله على المبالغة، وكان كذبًا محضًا، فإن لم يمكن حمله على المبالغة، وكان كذبًا محضًا فهل يُلحق بالكذب؟
للعلماء في ذلك قولان:
القول الأول: أنه كذب، وهو قول بعض المالكية والصحيح عند الشافعية، وظاهر مذهب الحنابلة [2] .
القول الثاني: ليس كذبًا، وهو قول بعض الشافعية [3] ، واختيار
(1) شعر أهل الحديث، د. عبد العزيز القارئ- مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (4/ 290) .
(2) انظر: شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة (2/ 493) ، روضة الطالبين (11/ 229) ، أسنى المطالب (4/ 342) ، المغني (10/ 160) ، مطالب أولي النهى (6/ 619) .
(3) انظر: روضة الطالبين (11/ 229) ، أسنى المطالب (4/ 342) ، الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي (ص: 105) .