فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 209

باب قول الله:"وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ"

32 -باب قول الله -تعالى-: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ولم يقل ماذا خلق ربكم؟ وقال جل ذكره: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ وقال مسروق عن ابن مسعود إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئًا، فإذا فزع عن قلوبهم، وسكن الصوت عرفوا أنه الحق، ونادوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ ويذكر عن جابر عن عبد الله بن أنيس قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: يحشر الله العباد، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان .

الشرح:

هذه الترجمة قصد منها المؤلف -رحمه الله- إثبات الكلام لله -عز وجل-، وأنه صفة من صفاته وأنه قائم بذاته، والرد على المعتزلة والجهمية القائلين إن القرآن مخلوق، فهؤلاء كفرهم السلف كالإمام أحمد وغيره، وهذا على العموم أما الشخص المعين، فلا بد من إقامة الحجة عليه، وفيه الرد على الكلابية والأشاعرة الذين يقولون: إن كلام الله معنى نفسي، ليس بحرف ولا صوت.

فقال المؤلف: قال مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ولم يقل: ماذا خلق ربكم، فالقول كلام، وهو غير الخلق، ولم تقل الملائكة: ماذا خلق ربكم، إنما قالوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ فدل على أن كلام الله غير مخلوق.

قوله: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ أي: زال وذهب الفزع من قلوبهم، وذلك أن الملائكة يفزعون، فإذا تكلم الله بالوحي أخذت الملائكة والسموات منه رجفة، ويصعق الملائكة، فإذا فزع عن قلوبهم، وزال الفزع والخوف تنادوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ فيقولون: قال الحق، وهو العلي الكبير. ولم يقولوا ماذا خلق ربكم.

قوله -تعالى-: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ والإذن لا يكون إلا بالكلام والأمر، فدل على إثبات الكلام لله تعالى. ولم يقل: من ذا الذي يشفع عنده إلا بخلقه. فالله -تعالى- يأذن لنبينا بالشفاعة، ويأذن لغيره، لكن لا يشفع أحد إلا بإذنه، وقوله سبحانه وتعالى.

قوله: (وقال ابن مسعود إذا تكلم الله بالوحي...) : فيه إثبات الكلام لله -عز وجل- وأنه بحرف وصوت؛ لقوله: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ .

الجهمية والمعتزلة يقولون: القرآن كلام الله، ولفظه ومعناه مخلوق، فصرحوا أنه مخلوق، والأشاعرة يقولون: كلام الله معنى قائم بالنفس ليس بحرف ولا صوت، والحروف والأصوات مخلوقة، فالكلام ليس لفظًا ولا حرفًا ولا صوتًا، بل هو معنى قائم بالنفس لا يسمع، لازم لذات الرب، كلزوم الحياة والعلم، وإذا قيل لهم: كيف تكلم الله بالوحي؟ قالوا: لم يتكلم، لكن اضطر جبريل ففهم معنى قائم بنفسه، فعبر جبريل بهذا القرآن، فالقرآن عبارة جبريل وأحيانًا يقولون: عبر عنه محمد فهو عبارة عبر به جبريل أو محمد فمنهم من قال: اضطر جبريل ففهم المعنى، ثم عبر عنه جبريل ومنهم من قال: ألقاه جبريل على نفس محمد فعبر به محمد ومنهم من قال: إن جبريل أخذه من اللوح المحفوظ، ولم يتكلم الله -تعالى- بحرف ولا صوت؛ ولهذا يقول بعضهم: ليس في المصحف كلام الله حقيقة، والذي في المصحف كلام الله من باب المجاز، فعند المناظرة يقولون: ما في المصحف من كلام الله هو من باب المجاز، وأما في الواقع، فليس في المصحف كلام الله، فكلام الله معنى قائم بنفسه لا يسمع، وليس بحرف ولا صوت؛ ولهذا لو وطئ أحد الناس المصحف بقدميه عندهم، فإنه لا يؤثر؛ لأنه ليس فيه كلام الله. نعوذ بالله مما قالوا.

فتبين أن الأشاعرة جعلوا القرآن نصفه مخلوقًا، ونصفه غير مخلوق. نصفه غير مخلوق، وهو المعنى القائم بنفس الله، والحروف والأصوات مخلوقة، فهو نصف مذهب المعتزلة وهذا باطل، فالكلام اسم للفظ والمعنى، فكلام الله لفظه ومعناه بحرف وصوت كله كلام الله، ليس بمخلوق. وهؤلاء لم يكفرهم السلف ؛ لأن لهم شبهة، فهم متأولون.

قوله: (عن عبد الله بن أنيس يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من قرب...) إلخ.

هذا الآثر فيه إثبات الكلام لله -عز وجل-، وإثبات النداء، لقوله: (فيناديهم) والنداء نوع من أنواع الكلام، وهو الكلام من بعد، وفيه إثبات الصوت لله -عز وجل- لقوله: (فيناديهم بصوت) فهذا يدل على أنه بحرف وصوت، ففيه الرد على الأشاعرة الذين يقولون: إن كلام الله ليس بحرف ولا صوت. وفيه أن كلام الله لا يشبه كلام المخلوقين؛ لأنه يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، بخلاف كلام المخلوقين؛ لأن كلام المخلوقين يسمعه القريب، أما البعيد فلا يسمعه. وأخطأ من قال من الشراح: إن معنى قوله: (بصوت) أنه مخلوق غير قائم به. فهذا باطل؛ لأن الصوت هو صوت الله -عز وجل- لقوله: (فيناديهم بصوت) .

قوله: (ويذكر، عن جابر ) : فيه كلام لأهل العلم، فابن القيم صححه، وقال: إن له شواهد وأن من فيه ضُعّف، ووافق في روايته الثقات فيقبل، وكلامه صحيح؛ لأن هناك أحاديث كثيرة تثبت الكلام لله، وأنه بحرف وصوت. والأثر فيه عبد الله بن محمد بن عقيل وفيه سوء حفظ. والبخاري علقه بصيغة التمريض. وفي موضع آخر في كتاب العلم، ذكره البخاري بصيغة الجزم فقال: (ورحل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس شهرًا في حديث واحد) وهو حديث في المظالم، وهو هذا الحديث.

والكتب الآن مطبوعة، والأحاديث مجموعة، ولكن متى يقرأ الإنسان، وإذا قرا متى يفهم، وإذا فهم متى يعمل، فالله المستعان، فنسأله -سبحانه- أن يصلح الأحوال.

قوله: (أنا الديان) أي: المجازي المحاسب، من قوله -تعالى-: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت