فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 209

باب ذكر الله بالأمر وذكر العباد بالدعاء

39 -باب ذكر الله بالأمر، وذكر العباد بالدعاء والتضرع والرسالة والإبلاغ؛ لقوله -تعالى-: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غمة هم وضيق، قال مجاهد اقضوا إلي ما في أنفسكم. يقال: افرق: اقض.

وقال مجاهد: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ إنسان يأتيه، فيستمع ما يقول، وما أنزل عليه، فهو آمن حتى يأتيه، فيسمع كلام الله، وحتى يبلغ مأمنه حيث جاء. النبأ العظيم: القرآن. صوابًا: حقًّا في الدنيا، وعمل به.

الشرح:

هذه الترجمة فيها نوع خفاء، ومقصود المؤلف -رحمه الله- أن ذكر الله -تعالى- لعباده غير ذكر العباد لله، فقال: (ذكر الله بالأمر) أي: أن ذكر الله لعبده يكون بالأمر، ويكون بغير الأمر، وهذا مجرد مثال لذكر الله لعبده، فالله -تعالى- يكون ذكره لعبده بالأمر بأن يأمره وينهاه؛ لأن الأمر نوع من أنواع الكلام، ويكون ذكره لعباده بالخبر، كأن يخبرهم بالأمور الماضية والأمور المستقبلة، ويكون -أيضًا- ذكر الله للعبد بالثناء عليه في الملأ الأعلى، ومن ذلك صلاة الله على محمد - صلى الله عليه وسلم - أحسن ما قيل فيها: إنها ثناء الله عليه في الملأ الأعلى، كما رواه أبو العالية هذا ذكر الله للعبد، أما ذكر العبد لربه، فيكون بالدعاء والتضرع والرسالة والبلاغ، فإذا دعا الإنسان ربه ذكره، ويكون بالعبادة؛ لأن العبادات كلها ذكر لله، فالمصلي ذاكر لله والصائم والحاج والمزكي والداعي كلهم ذاكرون لله، ويكون ذكر العبد لربه بالبلاغ حينما يبلغ النبي الذي أرسله الله رسالة الله، هذا ذكر منه لربه.

فالترجمة فيها إثبات الكلام لله -عز وجل-، لأن ذكر الله لعبده بالأمر كلام، وذلك إذا أمر عباده ونهاهم، والأمر نوع من أنوع الكلام. قوله: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ فيه أن ذكر الله -تعالى- لعبده غير ذكر العبد لربه، والمعنى اذكروني بالعبادة والطاعة والدعاء والتضرع وتبليغ الرسالة (أذكركم) أي: أثني عليكم، فمن ذكر الله ذكره الله، وفي الحديث القدسي يقول الله -تعالى-: ومن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم فمن ذكر الله في نفسه ذكره الله في نفسه، ومن ذكر الله في ملأ ذكره الله في ملأ خير منهم، وهم الملائكة، فذكر الله للعبد ثناء عليه عند الملائكة

قوله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي وجه الدلالة من الآية أن فيه ذكر العبد، وهو نوح -عليه السلام- لربه حيث قال: وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ حيث ذكر الله بتبليغه رسالة ربه، وفيها ذكر الله -تعالى- لعبده؛ لقوله وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لأن من أمثلة ذكر الله لعبده الأمر، إذا أمره ونهاه، فهذه الترجمة دقيقة وفيها نوع خفاء. قوله: ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً أي: ضيق وشدة وحرج. ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ أي: أفصلوا وأوضحوا الأمر الذي بأنفسكم، حتى لا يكون فيه شبهة ولا التباس، ثم بعد ذلك اعملوا ما تريدون، وعاجلوني بالعقوبة إن استطعتم، ومنه قول هود -عليه السلام-: ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي فآيته أنه وقف أمام قومه وحيدًا، وهم معروفون بالقوة والجبروت وتحداهم، وقال: أنا واحد أمامكم، وإن استطعتم أن تهلكوني فعاجلوني، ولم يستطيعوا. قوله: فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ أي: أنني لا أطلب منكم ثمنًا، ولا عوضا من الدنيا على تبليغ الرسالة، بل أجري على الله تعالى.

قوله: (افرق: افصل) ومنه قوله -تعالى- فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ لما امتنع بنو إسرائيل عن القتال مع موسى لما أمرهم بالقتال، دعا موسى ربه وقال: (افرق بيننا...) أي: افصل واحكم بيننا وبينهم، فاستجاب الله لنبيه موسى وعاقبهم بالتيه؛ حتى يهلك هذا الجيل الذي به خور عن القتال وجبن من فرعون وقومه، وحتى ينشأ جيل جديد فيه القوة والشجاعة، وكان الأمر كذلك حيث هلك هذا الجيل، ومات موسى -عليه السلام- معهم في التيه، ونشأ جيل جديد فتح بهم يوشع بن نون فتى موسى -عليه السلام- بيت المقدس لما قال للشمس إنك مأمورة وأنا مأمور.... وذلك في ليلة السبت؛ لأنهم يعظمون يوم السبت.

قوله: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ أي: إذا طلب أحد المشركين الأمان، فيؤمن حتى يسمع كلام الله، وإذا انتهى يبلغ إلى مأمنه، ولا يغدر به، وكلام الله فيه الأمر، وهو ذكر لله -تعالى- لعبده وتبليغه كلام الله، هذا من ذكر العبد لربه، فالآية فيها ذكر الله -تعالى- للعبد وذكر العبد للرب، فكلام الله فيه الأمر والنهي والخبر والثناء على عبده، وهو من ذكر الله لعبده، وتبليغ العبد لرسالة الله هذا من ذكر العبد لربه.

قوله: (النبأ العظيم: القرآن) وذلك في قوله -تعالى-: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ فالنبأ العظيم هو القرآن، والقرآن هو كلام الله، فيه الأمر والنهي والوعد والوعيد، وكلام الله ذكر من الله -تعالى- لعبده، وتبليغه ذكر من العبد لربه.

قوله: (صوابًا: حقًّا في الدنيا، وعمل به) وذلك في قوله -تعالى-: إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا فالقول الصواب هو القول بالحق والعمل به، والعمل بالحق يكون بالأقوال والأعمال والاعتقاد، وهذا ذكر من العبد لربه، فإنه حينما يقول الحق، ويعمل بالحق، فقد ذكر الله -تعالى- وكلام الله الذي أنزله هو قول الحق، وهو ذكر من الله -تعالى- للعباد، ولم يتبين هذا للعيني -رحمه الله- حيث ذكر أن البخاري ذكر قوله: (صوابًا) على سبيل التبعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت