فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 209

حديث الإسراء والمعراج

7517 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني سليمان عن شريك بن عبد الله أنه قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ليلة أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه، ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه، فوضعوه عند بئر زمزم فتولاه منهم جبريل فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتي بطست من ذهب فيه تَوْرٌ من ذهب محشوًا إيمانًا وحكمة، فحشا به صدره ولغاديده، يعني: عروق حلقه، ثم أطبقه، ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابًا من أبوابها، فناداه أهل السماء: من هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد، قال: وقد بُعث؟ قال: نعم، قالوا: فمرحبًا به وأهلا، فيستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض، حتى يعلمهم.

فوجد في السماء الدنيا آدم فقال له جبريل هذا أبوك آدم فَسَلِّمْ عليه، فَسَلَّمَ عليه، ورد عليه آدم وقال: مرحبًا وأهلا بابني، نِعْمَ الابن أنت، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: ما هذان النهران يا جبريل ؟ قال: هذا النيل والفرات عنصرهما، ثم مضى به في السماء، فإذا هو بنهر آخر، عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب يده، فإذا هو مسك أذفر قال: ما هذا يا جبريل ؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك، ثم عرج به إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى، من هذا؟ قال: جبريل قالوا: ومن معك؟ قال: محمد - صلى الله عليه وسلم - قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به وأهلا، ثم عرج به إلى السماء الثالثة، وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية ثم عرج به إلى الرابعة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فقالوا مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السادسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم، فأوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى رب لم أظن أن يرفع عليّ أحد، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا للجبار رب العزة، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه خمسين صلاة، على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال: يا محمد ماذا عهد إليك ربك؟

قال: عهد إلي خمسين صلاة، كل يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل أن نعم، إن شئت، فعلا به إلى الجبار، فقال: وهو مكانه يا رب خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا، فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه، حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمد والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا، فضعفوا، فتركوه، فأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل فرفعه عند الخامسة، فقال: يا رب، إن أمتي ضعفاء: أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم، فخفف عنا فقال الجبار: يا محمد قال: لبيك وسعديك، قال: إنه لا يبدل القول لدي، كما فرضته عليك في أم الكتاب، قال: فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت، فقال: خفف عنا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها، قال موسى قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك، فتركوه ارجع إلى ربك، فليخفف عنك -أيضا- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا موسى قد والله استحييت من ربي، مما اختلفت إليه، قال: فاهبط باسم الله، قال: واستيقظ وهو في مسجد الحرام .

الشرح:

الشاهد من الحديث قوله: (بفضل كلامه لله) دل على إثبات الكلام لله -عز وجل- ويلزم من كلام موسى لله أن الله -تعالى- يكلمه؛ لأن التكليم من الجانبين، وقد جاء في رواية الكشميهني (بتفضيل كلام الله له) .

وهذا الحديث من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر وشريك هذا له أوهام بينها العلماء، حتى قال الإمام مسلم -رحمه الله-، عن رواية شريك هذه: (فزاد ونقص وقدم وأخر) ومن الأوهام التي وقع فيها شريك

أ - أنه قال (ليلة أسري به.. وذلك قبل أن يوحى إليه) وهذا غلط، وهو من أوهامه؛ لأن الإسراء كان بعد الوحي، وليس قبل الوحي، فالإسراء كان قبل الهجرة بسنة أو سنتين أو ثلاث، ومما يدل على أنه بعد الوحي أن الصلوات فرضت عليه، فكيف يكون قبل الوحي.

ب - وقوله: (وهو نائم في المسجد الحرام ) وهذا من أوهامه، والصواب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسري به في اليقظة لا في النوم. هذا الصواب الذي عليه المحققون، والعلماء دون جسده، ومنهم من قال عرج به مرارًا، والصواب أنه عرج به مرة واحدة بروحه وجسده يقظة لا مناما، قال -تعالى-: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ .

والصواب كذلك أن الإسراء والمعراج في ليلة واحدة، أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى راكبًا البراق صحبة جبرائيل (والبراق دابة دون البغل، وفوق الحمار، وخطوها مد البصر؛ ولهذا قطعت هذه المسافة بسرعة) ولما وصل إلى المسجد الحرام ربط البراق بحلقة باب المسجد الذي كان يربط به الأنبياء، وجمع له الأنبياء - صلى الله عليه وسلم - وصلى بالناس إمامًا، ثم أتي بالمعراج (وهو كهيئة السلم) فصعد إلى السماء وعرج به الله - صلى الله عليه وسلم - من بيت المقدس وقطع هذه المسافة العظيمة في ليلة واحدة (فيما بين سماء وسماء مسافة خمسمائة عام، وكثف كل سماء خمسمائة عام، وفوق السماء السابعة بحر، ما بين أسفله وأعلاه، كما بين السماء والأرض) ثم رجع - صلى الله عليه وسلم - قبل الفجر.

وبعض الملاحدة يقولون: لا يمكن أن تصعد الأجسام إلى السماء؛ لأن الأجسام ثقيلة، فلا تصعد إلا الأرواح، وهذا باطل؛ لأن الله -تعالى- على كل شيء قدير، وهذا مثل شق جبريل لصدر النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحتج إلى عملية جراحية، بل التأم في الحال، فالله -سبحانه- قادر على كل شيء، كما قال جل شانه إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وقد شق صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من مرة، فمرة شق صدره وهو صغير يلعب مع الصغار، ومرة عند البعثة.

ج - ومن أوهامه قوله في آخر الحديث: (واستيقظ وهو في مسجد الحرام ) وقد بينا أن المعراج كان يقظة لا منامًا.

د - ومن أوهامه قوله: (فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان) والصواب أنهما في السماء السادسة أو السابعة.

هـ - ومن أوهامه قوله: (ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر... قال هذا للكوثر.. ثم عرج به إلى السماء الثانية) فقوله هذا يدل على أن الكوثر في السماء الدنيا، وهذا خطأ، والصواب أن الكوثر في الجنة.

و - ومن أوهامه أمكنة الأنبياء كقوله: (فرأى إبراهيم في السماء السادسة، وموسى في السابعة) فهذا من أوهامه، وما ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه رأى آدم في السماء الدنيا، ورأى يحيى وعيسى ابني الخالة في السماء الثانية، ورأى إدريس في السماء الثالثة، ورأى يوسف في السماء الرابعة، ورأى هارون في السماء الخامسة، ورأى موسى في السماء السادسة، ورأى إبراهيم في السماء السابعة مسندًا ظهره إلى البيت المعمور.

ز - ومن أوهامه قوله: (حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى ) فهذا يدل على أن موسى عليه السلام طلب من الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرجع إلى ربه، فيسأله التخفيف بعد أن فرض الله عليه خمس صلوات، والصواب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تردد بين ربه وموسى حتى وصل إلى خمس صلوات، فقال له موسى ارجع فاسأل ربك التخفيف فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إني سألت ربي، حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم) ولم يرجع إلى ربه بعد فرض الصلوات الخمس عليه.

ح - ومن أوهامه قوله: (ودنا الجبار رب العزة، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى) فهذا من أوهامه، والصواب أن الدنو والتدلي إنما هو لجبريل -عليه السلام- كما في سورة النجم، لكن ذكر ابن القيم -رحمه الله- (أن الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء، غير الدنو والتدلي الذي في آية النجم، الذي هو وصف لجبريل ) وتبعه في ذلك شارح الطحاوية، لكن الدنو والتدلي للجبار -سبحانه- لم يرد إلا في حديث جبريل فإن كان قد ورد في حديث آخر صحيح قلنا به، وإن لم يرد إلا في هذا الحديث، فهو من رواية شريك ابن أبي نمر وله أوهام كما ذكرنا، وهذا من أوهامه. وعلى هذا يكون الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء، هو الدنو والتدلي الذي في سورة النجم، وهو دنو جبريل وتدليه.

وحديث الإسراء معروف في الأحاديث الصحيحة في كتب الصحاح وغيرها، وهي بطرق غير طريق شريك هذا.

قوله: (فوجد في السماء الدنيا آدم ) رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنبياء، الأقرب كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه رآهم بأرواحهم؛ لأن الروح تأخذ شكل الجسد، وذلك في الإسراء عند صلاته بهم، وكذلك في المعراج، فالروح لها أحكام فلها عروج وصعود سريع كلمح البصر؛ ولهذا لما أسري به الله - صلى الله عليه وسلم - مر بموسى وهو في الأرض قائم يصلي في قبره، ثم لما عرج به إلى السماء وجده في السماء السادسة.

أما مسألة رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لربه، فالصواب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ير ربه بعيني رأسه، إنما رآه بعيني قلبه، وذهب بعض العلماء إلى أنه رأى ربه ليلة المعراج، وأنه انفرد بهذه عن الأنبياء؛ لذلك قال بعض الأنبياء: (الرؤية لمحمد والخُلة لإبراهيم والتكليم لموسى ) وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - شارك إبراهيم -عليه السلام- في مسألة الخُلة، وشارك موسى في مسألة التكليم، فالصواب كما ذكرنا والذي عليه الجمهور والمحققون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ير ربه رؤية بصرية، إنما رآه رؤية قلبية. ففي الحديث (واعلموا أنكم لن تروا ربك حتى تموتوا) رواه مسلم في صحيحه.

أما رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لربه في منامه فثابتة، كما في حديث اختصام الملأ الأعلى كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (رأيت ربي في أحسن صورة) ، وذكر شيخ الإسلام أن جميع الطوائف أثبتوها، أي: الرؤية القلبية، ولم ينكرها أحد إلا الجهمية من شدة إنكارهم للرؤية. وذكر شيخ الإسلام أن رؤية الرب في المنام تكون لغير الأنبياء، وهي رؤية حقيقية لكن على حسب عمل الإنسان، فإن كان عمله صالحًا رأى ربه في صورة حسنة، وإن كان غير ذلك رأى ربه رؤية تناسب عمله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت