فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 209

باب قول الله"هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ"

حديث:"ما عليكم أن لا تفعلوا"

18 -باب قول الله هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ

7409 - حدثنا إسحاق حدثنا عفان حدثنا وهيب حدثنا موسى هو ابن عقبة حدثني محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محيريز عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه: في غزوة بني المصطلق أنهم أصابوا سبايا، فأرادوا أن يستمتعوا بهن، ولا يحملن، فسألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن العزل فقال: ما عليكم أن لا تفعلوا، فإن الله قد كتب من هو خالق إلى يوم القيامة وقال مجاهد عن قزعة سمعت أبا سعيد فقال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها .

الشرح:

هذه الترجمة فيها إثبات أربعة أسماء لله عز وجل (الله - الخالق - البارئ - المصور) وهذه الأسماء متضمنة للصفات ليست جامدة: (الله) أعرف المعارف، وهو متضمن لصفة الألوهية، فهو ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، ففيه إثبات صفة الألوهية، و (الخالق) متضمن لصفة الخلق. و (البارئ) متضمن لصفة البرء، والبرء من التراب، وهي البرية. و (المصور) متضمن لصفة التصوير فهذه من الصفات الفعلية؛ لأنها تتعلق بالمشيئة والاختيار. فصفة الألوهية متصف بها الله -تعالى- في جميع الأوقات، وهو ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، أما (الخلق والبرء والتصوير) فهذه صفات فعلية تتعلق بالمشيئة والاختيار. فالله -تعالى- هو الذي خلق الإنسان وأوجده. البرء من التراب وهي البرية. و (المصور) : الذي صور المخلوقات، وأوجدهم على صور فخطط هذه الصور وطبعها. فهذه صفة عظيمة تبهر العقول، حيث طبع هذه الصور العظيمة، فهؤلاء الآلاف من الناس، كل واحد منهم طبع على صورة ولا تشبه صورة واحد من البشر، صورة الآخر. ولو كانت صورهم متشابهة لاختلّت حياة الناس، فكيف يفرق الإنسان بين الأخ وأخيه وبين الذكر والأنثى؟. فهذا من الدلائل العظيمة على قدرة الله وكماله ووحدانيته، فهو -سبحانه- متصف بالتصوير.

ومن كمال قدرة الله -تعالى-، أن النطفه حينما تتطور إلى علقة تجد أنها مصورة مخططة، كما يخط الخطاط والرسام، فتجد صورة العين والأنف والرأس مصورة ومخططة قبل أن يخلق، فالله -تعالى- يصور هذه النسمة، وهو في بطن أمه، ثم يوجدها، ويخلقها، ويكونها على وفق ما صوره -سبحانه وتعالى- وخططه لكل صورة.

فائدة:

الخلق يطلق على شيئين: أ - التقدير ب - الإيجاد. فالإيجاد خاص بالله، أما التقدير، فهذا يوصف به المخلوق. ومنه قوله -تعالى-: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ أي: أحسن الخالقين المقدرين المنشئين، المخترعين الموجدين.

وقوله -تعالى-: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ استدل بها المعتزلة على أن الإنسان يخلق فعل نفسه، وقالوا: هذا فيه دليل على أن هناك خالقين كثيرين، إلا أن الله أحسنهم وأجودهم خلقًا، فقالوا: فالإنسان يقدر -أولا- ثم يوجد، وبعض الناس يقدر -أولا- ولا يستطيع أن يوجد ما قدره، ومنه الخراز أو الحذاء حينما يريد أن نجرز النعل ويقدرها يأتي بفحمة ثم يخطها ثم يوجد الحذاء على قدر ما خطط، هذا خلق تقدير، فقد يستطيع أن ينفذ وقد لا يستطيع أن ينفذ لذلك يقول القائل:

ولأنت تفري ما خلقت…وبعض

القوم يخلق ثم لا يفري

يمدحه ويقول: ولأنت تفري ما خلقت: أي: تستطيع أن تنفذ، وتوجد ما قدرت. وبعض القوم يخلق، ثم لا يفري: والتقدير منه قول الله -تعالى- في عيسى، عليه السلام: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي فعيسى -عليه السلام- يصور من الطين صورة على قدر الطير، فينفخ فيها فتكون طيرًا -بإذن الله- فيخلق الله -تعالى- فيها الروح. فعيسى -عليه السلام- منه التقدير والتصوير، والله -تعالى- منه الخلق والإيجاد، فمعنى قوله -تعالى-: (تخلق من الطين) : أي: تصور من الطين. وهذا جعله الله -تعالى- من معجزات عيسى عليه السلام.

أما الحديث ففيه إثبات الكتابة لله -عز وجل- وأنه من الصفات الفعلية ؛ لأنها تتعلق بالمشيئة والاختيار، وأنه كتب من هو خالق، وفيه إثبات اسم الخالق وهو متضمن لصفة الخلق.

والحديث فيه جواز العزل في الإماء، لقول جابر -رضي الله عنه-: كنا نعزل والقرآن ينزل ولو كان شيئا ينهى عنه، لنهانا عنه القرآن ومعنى العزل: أنه إذا جامع الرجل زوجته، أو سريته، وأراد أن ينزل أخرج ذكره، فأنزل خارجًا حتى لا تحمل، فهذا جائز بالنسبة للإماء، أما الحرة، فقد جاء في الحديث أنه لا بد من إذنها.

والصحابة في غزوة أوطاس أصابوا بعض السبايا أي: بعض الإماء فأرادوا أن يستمتعوا بهن، ولا يحملن؛ لأنها إذا حملت لم يستطع أن يبيعها، وهذا مقيد بالأحاديث الأخرى أنه لا يستمتع بها حتى يستبرئها بحيضة، فلا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائض حتى تستبرأ بحيضة، حتى لا تختلط الأنساب. فالصحابة لما أرادوا أن يستمتعوا بهن سألوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن العزل فقال: (ما عليكم ألا تفعلوا، ما من نفس مخلوقة إلا الله خالقها) : أي: أن العزل لا يمنع، فإذا قدر الله، وأراد أن يخلق شيئًا سبقه الماء إلى الرحم فتحمل؛ لذلك لم ينههم عن ذلك. فالعزل يمنع إذا لم يقدر الله شيئا، فلا يمنع العزل قدر الله الأزلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت