فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 209

باب: في المشيئة والإرادة

حديث:"إذا دعوتم الله فاعزموا في الدعاء"

31 -باب في المشيئة والإرادة

وقول الله -تعالى- تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ قال سعيد بن المسيب عن أبيه: نزلت في أبي طالب يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ .

7464 -حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إذا دعوتم الله، فاعزموا في الدعاء، ولا يقولن أحدكم: إن شئت فأعطني، فإن الله لا مستكره له .

الشرح:

هذه الترجمة لبيان إرادة الله ومشيئته. والإرادة عند أهل السنة والجماعة نوعان:

1 -إرادة كونية قدرية ترادف المشيئة.

2-إرادة دينية شرعية، بمعنى المحبة والرضا.

فالمشيئة واحدة أما الإرادة فهي نوعان: وهذا هو الصواب الذي دلت عليه النصوص في تقسيم الإرادة إلى نوعين.

وقد غلط كل من الجبرية والقدرية فلم يقسموا الإرادة إلى قسمين. فالإرادة واحدة عند الجبرية وهي الكونية فقط، وليس عندهم إرادة دينية. وهي واحدة عند القدرية وهي الإرادة الدينية، وليس عندهم الإرادة الكونية. فهدى الله أهل السنة والجماعة فقسموا الإرادة إلى قسمين، على حسب ما ورد في النصوص.

والجهمية والأشاعرة جبرية، ليس عنده إلا الإرادة الكونية، والمعتزلة قدرية، ليس عندهم إلا الإرادة الدينية، وأنكروا الإرادة الكونية، ومذهب كل منهما باطل.

والمؤلف -رحمه الله- ساق نصوصًا كثيرة في إثبات المشيئة، وهي كثيرة. كقوله -تعالى-: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وقوله وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا وقوله وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وقوله إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ التي نزلت في أبي طالب

وقوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ هذه إرادة دينية شرعية؛ لأنه بعد ما ذكر أحكام الصيام قال: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وقوله فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ هذه إرادة كونية قدرية، لا يتخلف مرادها، أما الدينية، فقد يتخلف مرادها. وقوله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ هذه إرادة دينية، والمعنى إنما يريد الله دينًا وشرعًا؛ لأن بعض أهل البيت لم يقع لهم التطهير كأبي جهل وأبي لهب، وهم من قرابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن بني هاشم ومع ذلك لم يطهروا من الشرك. وقوله: (ولكن الله يفعل ما يريد) هذه إرادة كونية.

وقوله: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ هذه إرادة دينية.

ومعنى قولنا: إن الإرادة الكونية ترادف المشيئة. أي: ترادفها في معناها، فمعناها معنى المشيئة فقوله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أي: إلا أن يريد الله، فما تشاءون شيئًا إلا إذا أراده الله وشاءه كونًا وقدرًا. وقوله: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ المعنى، من يشأ الله أن يهديه، فهي بمعنى المشيئة. بخلاف الإرادة الدينية، فليست بمعنى المشيئة، بل هي بمعنى المحبة والرضا.

قوله: (قال سعيد بن المسيب نزلت في أبي طالب ) : أي: لما حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على هداية عمه، ولكن لم يرد الله له الهداية، أي ما أراد الله له الهداية كونًا وقدرًا، فهي بمعنى المشيئة.

فكل ما في الكون أراده الله كونًا وقدرًا، فلا يقع في ملك الله إلا ما يريد، فالمعاصي والشرور وقعت بإرادة الله الكونية، والله -تعالى- لا يرضاها دينًا وشرعًا، ولكن أرادها كونًا وقدرًا فوقعت، لما له في ذلك من الحكم التي تترتب عليها، التي منها ما يترتب على هذه المعاصي من العبادات المتنوعة كعبودية التوبة، وعبودية الصبر، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية الولاء والبراء، وعبودية الجهاد في سبيل الله، وغير ذلك من أنواع مقامات العبودية. ومع ذلك فقد نهى -سبحانه- عنها، وغضب على فاعلها.

ومما يفرق بين الإرادة الكونية، والإرادة الشرعية: أن الإرادة الكونية، لا يتخلف مرادها بخلاف الإرادة الدينية الشرعية، فقد يتخلف مرادها، فقد تقع، وقد لا تقع، فالله -تعالى- أمر بإقام الصلاة، ونهى عن شرب الخمر، فمن الناس من امتثل هذا الأمر ومنهم من لم يمتثل. فمن أراد الله له كونًا وقدرًا أن يمتثل، فلا بد أن يمتثل، فتجتمع في حق المؤمن الإرادتان: الشرعية والكونية، وأما الكافر والعاصي في فعله للمعصية، تنفرد في حقهما الإرادة الكونية.

قوله: (اعزموا في الدعاء...) : أي: اجزموا في الدعاء، ولا تترددوا، ولا تستثنوا.

قوله: ( ولا يقولن أحدكم، إن شئت فأعطني...) : هذا الشاهد من الحديث، ففيه إثبات المشيئة لله تعالى.

والحديث يفيد النهي، عن الاستثناء في الدعاء، وفي الحديث الآخر: لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي، إن شئت، اللهم ارحمني، إن شئت، ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له وفي وليقل: اللهم اغفر لي، ولا يقل: إن شئت؛ لأن قوله: إن شئت، يدل على ضعف همته ورغبته فيما يطلبه ويدعوه، وكأنه مستغنٍ، عن المطلوب، وكأنه يقول: يا الله، إن شئت، فاغفر لي، وإن شئت، فلا تغفر لي، فأنا لست بحاجة إلى المغفرة. ولا شك أن هذا لا يصلح؛ لأن الإنسان في أشد الحاجة إلى مغفرة الله، عز وجل.

قوله: (فإن الله لا مكره له) وفي لفظ: فإن الله لا مستكره له وكأنه حينما قال: اللهم اغفر لي، إن شئت، اللهم ارحمني،إن شئت، كأنه يقول: لا ألزمك يالله بالمغفرة لي، ومفهومه أنه إن لم يقيد ذلك بالمشيئة، أن فيه إلزامًا لله، فهو يوحي بالإلزام والإكراه، والله -تعالى- لا مكره له.

وأما ما جاء في الحديث الآخر، كما سيأتي: لما زار النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا مريضًا، وقال له: طهور إن شاء الله فهذا ليس المراد به الدعاء، وإنما المراد به الخبر.

وما يحصل من بعض الناس، أنه إذا قابل صاحبه وقد حج، أو اعتمر قال له: تقبل الله منك -إن شاء الله- لعل هذا من باب التبرك بذكر اسم الله، ومع ذلك الأولى ألا يأتي به، بل يقول: تقبل الله منا ومنك غفر الله لنا ولك، من دون استثناء؛ لأن الدعاء ليس فيه استثناء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت