باب قول الله:"وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ"
حديث:"مرنا بجُمَلٍ من الأمر إن عملنا بها دخلنا الجنة"
56 -باب قول الله -تعالى-: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ويقال للمصورين أحيوا ما خلقتم إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ قال ابن عيينة بين الله الخلق من الأمر؛ لقوله -تعالى-: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ وسمى النبي -صلى الله عليه وسلم- الإيمان عملا، قال أبو ذر وأبو هريرة سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله وقال: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وقال: وفد عبد القيس للنبي -صلى الله عليه وسلم-: مرنا بجُمَلٍ من الأمر إن عملنا بها دخلنا الجنة، فأمرهم بالإيمان والشهادة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فجعل ذلك كله عملا .
الشرح:
مقصود البخاري في هذه الترجمة بيان أن أفعال العباد مخلوقة قوله: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ دلت الآية على أن الله -تعالى- خلق العباد وخلق أفعالهم، وفيه الرد على المعتزلة الذين يقولون: إن العباد خالقون لأفعالهم وأعمالهم، وهذا باطل؛ لأن الله -تعالى- قال: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ فيدخل فيه كل شيء مخلوق، وقال -سبحانه-: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فالأعمال والطاعات والمعاصي كلها مخلوقة لله تعالى.
وقالت المعتزلة والقدرية أنه يجب على الله إثابة الطائع على طاعته؛ لأن الجزاء عوض عن أعمالهم، وكذلك يجب على الله أن يعذب العاصي، فحجروا بذلك على الله وقاسوه بخلقه، قوله: (أحيوا ما خلقتم) أضاف الخلق إليهم، والمراد به هنا التصوير، والتقدير، وهذا يكون للمخلوق، فالخلق قسمان:
1 -الاختراع والإيجاد والبرء، فهذا خاص بالله عز وجل.
2 -التصوير والتقدير، وهذا يجوز للمخلوق، كقوله -تعالى-: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فعيسى -عليه السلام- لا يوجد، ولا يخترع إنما يصور، ويقدر، وينفخ فيه، والله -تعالى- هو الذي يخلق ويوجد. وأفاد تحريم التصوير كما سيأتي، وهذا التكليف بالإحياء للصور المراد منه التعجيز؛ وذلك لتعذيبهم على ذلك، والشاهد أنه أضاف الخلق إليهم، فهذه أعمال تنسب إليهم، فيعذبون بها.
قوله: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ فرق الله -تعالى- بين الخلق والأمر، والأمر هو كلامه -سبحانه-، ولما فرق الله بينهما دل على التفريق بينهما، أما المعتزلة فقالوا: إن الأمر هو الخلق؛ ولذلك قالوا: إن القرآن مخلوق، وهذا باطل؛ لأن الله -تعالى- قال: مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ فكيف يكون المعنى مسخرات بخلقه، فدل على أن المراد بالأمر هو كلام الله -تعالى- ولو كان كلام الله مخلوقًا للزم أن يوجد بأمر آخر، والآخر إلى آخر، واستمرار هذا باطل بلا ريب.
قوله: (وسمى النبي -صلى الله عليه وسلم- الإيمان عملا) دل على أن أعمال العباد تضاف إليهم، يثابون على حسنها، ويعاقبون على سيئها.
قوله: وقال: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أي: أن الله -تعالى- جازاهم على أعمالهم، فأضافها الله تعالى إليهم، فهي أعمالهم تنسب إليهم، وليس كما قالت الجبرية أنهم مجبورون على أعمالهم.
قوله: (مرنا بجُمَل من الأمر، إن عملنا بها) دل على أن كل ما أمرهم هي أعمال لهم مضافة إليهم.