باب قوله:"وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ"
حديث:"إن رحمتي سبقت غضبي"
28 -باب قوله -تعالى-: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
7453 -حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لما قضى الله الخلق، كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي .
الشرح:
هذه الترجمة، وهي باب قول الله -تعالى-: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ قصد المؤلف -رحمه الله- بهذه الترجمة إثبات الكلام لله -عز وجل-، وأن كلام الله صفة من صفاته، وأن كلام الله سابق لخلقه، وأن كلام الله نوعان:
أ - كوني قدري لا يتخلف مراده.
ب- ديني شرعي قد يتخلف مراده.
وهذا من الكلمات الكونية، ومثال النوع الأول وهو الكلام الكوني الذي لا يتخلف فيه مراد الله قوله -تعالى-: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ومثال النوع الثاني، وهو الكلام الديني الشرعي الذي قد يتخلف فيه مراد الله قوله -تعالى-: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فمن الناس من أقام الصلاة، ومنهم من لم يقم الصلاة، وقوله -تعالى-: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا فمن الناس من امتثل هذا النهي، ومنهم من لم يمتثل.
والمراد بكلمات الله التي سبقت في الآية: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ كلام الله السابق بالقضاء المتقدم على خلقه، أن الذي جرى به القلم، وسبق به القضاء، أن النصر لعباد الله المرسلين وأتباعهم، وأن جند الله هم الغالبون.
ففيه إثبات أن كلام الله ليس مخلوقًا، وأن كلام الله سابق لخلقه؛ لأن الخلق إنما يكون بالأمر، والأمر هو كلام الله: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ هذا الكلام الكوني، والثاني كلام الله الديني الشرعي، وهو القرآن وكلامه في كتبه التي أنزلها على أنبيائه، وهذا قد يتخلف مراده، أما الكلام الكوني، فلا يتخلف.
ففيه الرد على من قال: إن القرآن مخلوق، والرد على من أنكر كلام الله عز وجل.
وكلام الله اللفظ والمعنى جميعًا، وكلام الله بحرف وصوت يسمع، خلافًا للمعتزلة والأشاعرة، فالمعتزلة يقولون: كلام الله اللفظ والمعنى لكنه مخلوق، والأشاعرة يقولون: كلام الله المعنى فقط، فهو معنى في نفس الله لا يسمع، وأما الحروف والكلمات فهي مخلوقة.
والحديث في إثبات الكتابة والرحمة والغضب لله -عز وجل-، وهي من الصفات الفعلية، فصفات الله -عز وجل- قسمها أهل السنة إلى قسمين:
1 -صفات ذاتية لا تنفك عن البارئ: كالعلم والعزة والقدرة والسمع والبصر.
2 -صفات فعلية تتعلق بالمشيئة والاختيار: كالكلام والكتابة والخلق والرزق والإحياء والإماتة والرحمة والغضب. وضابطها أنها تقيد بالمشيئة، تقول: يرحم إذا شاء، ويغضب إذا شاء، ويكتب إذا شاء، بخلاف الصفات الذاتية، فلا تقول: يقدر إذا شاء، ويعلم إذا شاء، بل هو -سبحانه- عليم وقدير في جميع الأحوال.
والصفات الفعلية نوعها قديم، وأحادها حادثة؛ ولهذا في حديث الشفاعة يقول كل واحد من الأنبياء: إن ربي غضب اليوم غضبًا، لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله فقال (غضب اليوم) : فهذا الغضب حادث في ذلك اليوم، ولا يلزم من قولنا: إنه حادث، الحدوث في ذاته، فهذا غير صحيح؛ لأن هذا لازم لصفات المخلوقين.
ويقسم أهل السنة والجماعة الصفات كذلك إلى:
1 -صفات معنوية: كالعلم والقدرة والسمع.
2 -صفات خبرية: كالوجه واليد والرجل، فالصفات الخبرية جاء بها الخبر.
وهذا التقسيم مقابل تقسيم أهل الكلام، فقسمها أهل السنة للإيضاح وللرد على أهل الكلام.
وفي الحديث بيان أن رحمة الله تسبق غضبه، وفيه أن هذا الكتاب كتبه الله لما قضى الخلق، فكتب في كتاب هو عنده فوق العرش، فهذا الكتاب سابق. والخلق إنما خلقوا بأمر الله وكلامه، ففيه إثبات الكلام لله، وأنه سابق؛ لأن الخلق لا يكون إلا بأمر الله، وأمر الله هو كلامه، فوجه الدلالة من الترجمة أنه أخبر، أن هذا الكتاب كان بعد خلق الخلق، وهو سابق، وهو قديم، والخلق إنما كان بأمر الله وكلامه. وفيه أن هذا الكتاب فوق العرش، مع أن العرش سقف المخلوقات، لكن هذا الكتاب خاص، والقاعدة أن الخاص يقضي+ على العام، فالعرش سقف المخلوقات، لكن هذا الكتاب مستثنى منه. وهذا الكتاب مخلوق؛ لأن المكتوب غير الكتابة، فالكتابة فعل الله، والمكتوب هو المخلوق المنفصل. والسماوات مخلوق منفصل، وتخليق الله لها فعله سبحانه، وهي صفة من صفاته، فهناك فرق بين الخلق والمخلوق، والفعل والمفعول، فالخلق والفعل صفة لله قائمة بذاته، والمخلوق هو المفعول المنفصل، وسبق بيان هذا في الترجمة السابقة.