باب السؤال بأسماء الله والاستعاذة منها
حديث:"إذا جاء أحدكم فراشه فلْيَنفضه"
13 -باب السؤال بأسماء الله -تعالى- والاستعاذة منها
7393 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إذا جاء أحدكم فراشه، فلْيَنفضه بِصَنِفَة ثوبه ثلاث مرات، وليقل: باسمك رب وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي، فاغفر لها، وإن أرسلتها، فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين تابعه يحيى وبشر بن المفضل عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وزاد زهير وأبو ضمرة وإسماعيل بن زكريا عن عبيد الله عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ، تابعه محمد بن عبد الرحمن والدراوردي وأسامة بن حفص .
الشرح:
هذا الباب، عقده المؤلف -رحمه الله- للسؤال بأسماء الله -تعالى- والاستعاذة بها، قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فهذه الآية مناسبة لهذا الباب، وكان من المناسب، أن يأتي بها المؤلف -رحمه الله- للاستدلال بها في هذا الموضع. وأسماء الله الحسنى التي أخبر بها في كتابه، أو على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- يُدعى بها -سبحانه وتعالى- ويُتَعبَّد لله بالدعاء بها، فيقال: يا غفور اغفر لي، يا رحمن ارحمني، يا تواب تب علي.
وكذلك يُستَعاذ بأسماء الله -تعالى- وصفاته، ومن ذلك ما جاء في الحديث الصحيح، وهو دعاء عظيم كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو به في سجوده، وعلمه الحسن بن علي -رضي الله عنه- في قنوت الوتر، وهو قوله: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك... الحديث.
فاستعاذ بصفة الرضى من صفة السخط، وبصفة المعافاة، من صفة العقوبة، واستعاذ بالله من الله في قوله (وبك منك) .
فهذا دعاء عظيم، تضمن معاني عظيمة من معاني الربوبية والالتجاء إلى الله -تعالى-، وتفويض الأمر إليه، وبيان أنه المتصرف في خلقه كيف شاء، وقد سبق -أيضًا- ذكر الاستعاذة بصفات الله في موضع آخر، كما في قوله -صلى الله عليه وسلم- أعوذ بعزة الله وقدرته، من شر ما أجد وأحاذر وقد سرد المؤلف أمثلة في هذا، كقصة الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولا الجنة، إلى أن قال: لا وعزتك .
وأخبر الله -تعالى- عن إبليس أنه قال: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ وفي قصة أيوب -عليه السلام- لما خر عليه جراد من ذهب... قال: لا وعزتك، لا غنى لي عن بركتك أو كما جاء في الحديث. فهذا استعاذة، وسؤال، وقسم بأسماء الله وصفاته.
وفي هذا الحديث الذي ساقه المؤلف -رحمه الله- مشروعية هذا الدعاء عن النوم، وأنه يشرع أن يأخذ بصنفة ثوبه، أو فراشه، وينفضه ثلاثًا، وصنفة إزاره وثوبه، أي: طرف الثوب، أو حاشية الثوب، وجاء في حديث آخر بيان الحكمة في هذا النفض أنه قال: فإنه لا يدري ما خلفه عليه فهذا يدل على استحباب نفضه لطرف الفراش، وأن يقول هذا الدعاء إذا أراد النوم، وهو قوله: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي، فاغفر لها وفي رواية أخرى: إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين وجاء في الحديث الآخر أنه يجعل يده تحت خده، ويقول هذا الدعاء .
قوله: إن أمسكت نفسي: المراد بالنفس الروح. والمعنى أنك إذا قبضتها، فاغفر لها، وارحمها. قوله: (وإن أرسلتها) المعنى أنك إن لم تقبضها، فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين، والمراد احفظني يا الله إن أحييتني وأبقيتني، وإن أمتني، فاغفر لي وارحمني، كما قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ومعنى قوله: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ أي: الأرواح في الأجساد، وقوله: حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا يسمى النوم ميتة صغرى، فالله -تعالى- يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت يتوفاها في منامها، ثم يرسلها. قوله: فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ المعنى أنه يمسكها عنده، فمن الناس من يموت، إذا نام الموتة الصغرى، ثم الكبرى، تكون بعدها.
والروح لها تعلقات بالجسد:
فلها تعلق، وهو جنين في بطن أمه، ولها تعلق بالجسد عند النوم، ولها تعلق به في اليقظة، ولها تعلق به في القبر، ولها تعلق به يوم الحساب، وهذه التعلقات تختلف، فكل تعلق له صفات خاصة.
والشاهد قوله: (باسمك ربي) ، فهذا استعانة وسؤال بالله وتبرك باسمه، بأن يغفر الله له إن توفَّاه، وأن يحفظه إن أحياه.
فائدة:
الأغلب أن هذا الدعاء يقال في نوم الليل، ولا يمنع أن يقال في نوم النهار، وهذا أمر، والأصل في الأوامر أنها للوجوب، لكن إذا كان من باب الآداب، فجمهور العلماء يرونه للاستحباب، وهو هنا للاستحباب.
فائدة:
ذكر العَيْنِيُّ عن ابن بطال: (أن الاسم هو المسمى؛ ولذلك صحت الاستعاذة بالاسم، كما تصح في الذات) قال: أي: العَيْنِيّ (كون الاسم هو المسمى، لا يتمشى إلا في الله تعالى) .
وكل هذا ليس فيه تحقيق، والمسألة فيها تفصيل:
فالاسم -لا شك- أنه يدل على المسمى، فإن أريد أن هناك أسماء وصفات منفصلة عن الذات، فهذا ليس بصحيح، وإن أريد أن الله -تعالى- بأسمائه وصفاته وذاته هو الرب، وهو الخالق، وأن هذه الأسماء والصفات دالة عليه، فهذا صحيح، فالاسم لا يقال: إنه خارج عن الذات، ولا يقال: إنه من الذات، بل لا بد من التفصيل، أما قول: إن الاسم زائد عن الذات، أو غير زائد عن الذات، فكل هذا من كلام المتكلمين؛ لأن عندهم شبهًا كثيرة، فيزعمون أنه إذا قيل: إن الاسم زائد عن الذات، أو أن لله أسماء وصفات صار فيه تعدد، والخالق واحد لا يتعدد، وهذا كله من بحوث أهل الكلام، وكلها بحوث باطلة.