باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله
حديث:"بعث رسول الله عشرة منهم خُبيب"
14 -باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله عز وجل
وقال خبيب وذلك في ذات الإله، فذكر الذات باسمه تعالى.
7402 - حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي حليف لبني زهرة -وكان من أصحاب أبي هريرة - أن أبا هريرة قال: بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشرة منهم خُبيب الأنصاري فأخبرني عبيد الله بن عياض أن ابنة الحارث أخبرته، أنهم حين اجتمعوا استعار منها مُوسى، يستحدُّ بها، فلما خرجوا من الحرم؛ ليقتلوه قال خُبيب الأنصاري
ولست أبالي حين أُقتلُ مسلمًا
على أي شق كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ
يبارك على أوصال شِلو ممزع فقتله ابن الحارث فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه خبرهم يوم أصيبوا .
الشرح:
هذه القصة اختصرها المؤلف -رحمه الله-، وفي موضع آخر، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أرسل عشرة، عينًا للمسلمين، وأَمَّرَ عليهم عاصم، فلحقهم المشركون فتحصنوا في جبل، فقالوا لهم: انزلوا، وأعطوهم الأمان، ثم غدروا بهم، فقتلوا عاصمًا وقتلوا جماعة، وقالوا: للبقية انزلوا ونعطيكم الأمان، فلما نزلوا -وكانوا ثلاثة- أسروا واحدًا، فأبى أن يذهب معهم، فعالجوه وجروه، وقال: لي أسوة بهؤلاء فقتلوه، وأخذوا خُبيبًا ومن معه، وذهبوا بهم إلى مكة وسلموه لبني الحارث ؛ لأنه قتل قتيلا لهم يوم بدر فأخذوا خُبيبا وجلس عندهم، ثم أخذ مُوسى عندهم من ابنة الحارث؛ ليستحد بها .
والاستحداد هو حلق العانة، وهذا يدل على قوة إيمان خُبَيْب -رضي الله عنه-، ففي هذا الوقت العصيب، وهو يعلم أنه سيقتل لم يترك سنة الاستحداد، وفي القصة أنهم رأوا معه قِطفًا من العنب، وهو موثق بالحديد، وهو يأكل منه، وليس بمكة عنب، فهذا من الكرامات، ومع ذلك رأوا هذه الآية، ولكن لا تغني الآيات والنذر عن قوم لا يعلمون، حتى قالت المرأة التي هو أسير في بيتها: ما رأيت أسيرًا خيرًا من خُبَيْب إنه ليأكل قِطفًا من العنب، وما مكة عنب. ولما أرادوا قتله خرجوا به عن الحرم فهم يعظمون البيت وهم كفار. ولما أرادوا قتله قال: …دعوني أصلي ركعتين، قالوا: صلِّ ما بدا لك، فصلى ركعتين، وأوجز فيهما، وقال: لولا أن تظنوا أن ما بي جزع من الموت لأطلتهما أو كما قال. ثم قال هذه الأبيات... ثم قتلوه.
والشاهد قوله: (في ذات الإله) : فيه إثبات الذات لله -عز وجل-، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- بلغه ذلك، وأقره على ذلك، ففيه أن لله ذاتًا لا تشبه الذوات، ذات مقدسة متصفة بالصفات، فله -سبحانه- الأسماء الحسنى والصفات العلى. فذاته لا تشبه الذوات، وأسماؤه لا تشبه الأسماء، وصفاته لا تشبه الصفات. فدل على جواز الإخبار عن الله أن له ذاتًا، بل كل موجود له ذات، والذي ليس له ذات لا يكون له وجود إلا في الذهن، بل حتى الجمادات لها ذات. ومن الأدلة على جواز الإخبار عن الله أن له ذاتا، ما جاء في قصة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-: أنه كذب ثلاث كذبات قال: اثنتين منها في ذات الله.
وفيه مشروعية صلاة ركعتين لمن أريد قتله، لأن خُبَيبا قال: دعوني أصلي ركعتين.
وبلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم ينكر عليه، ولهذا قيل: إن خُبيبا هو أول من سن الصلاة عند القتل، ولو كان هذا غير مشروع لأنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك لئلا يقتدى به. فلما سكت النبي -صلى الله عليه وسلم- دل على مشروعية صلاة الركعتين عند القتل، وقول خُبيب (وذلك في ذات الإله) : أي: أن قتله من أجل الله فلا يبالي.
وقوله: في الترجمة (والنعوت وأسامي الله عز وجل) ، المقصود بالنعوت أي: الصفات، فالله -تعالى- يوصف بالصفات، لكننا نصفه بالصفات التي جاءت في الكتاب والسنة، فلا نصفه بصفات نخترعها من عند أنفسنا، بل بالصفات التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله -صلى الله عليه وسلم- فيوصف الله -تعالى- بالعزة والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والحكمة... إلى غير ذلك من الصفات الواردة في الكتاب والسنة.
والأسامي كذلك: جمع اسم. فلله الأسماء الحسنى، فالله تعالى: هو (الله) أعرف المعارف، وهو (الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور... فكل هذه من أسمائه -سبحانه وتعالى-، فالله -تعالى- له أسامٍ، وله نعوت، وله ذات مقدسة -سبحانه وتعالى- لا تشبه الذوات، وأسماؤه حسنى لا تشبه الأسماء، وصفاته عليا لا تشبه الصفات.
فائدة:
تعليق على كلام الشارح -رحمه الله- في قوله: (والصواب الإمساك عن أمثال هذه المباحث، والتفويض إلى الله في جميعها...) إلخ.
قلت: هذا غلط واضح. فالمتكلمون لهم طريقتان:
أ - طريقة التأويل.
ب - طريقة التفويض.
فمثلا: قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ فأهل التفويض، يقولون: لا ندري ما معنى اليد كأنها كلمة أعجمية. نفوضها إلى الله. وأهل التأويل يقولون: اليد معناها القدرة أو النعمة.
وهاتان الطريقتان كلتاهما غلط. وبعضهم ينسب التفويض إلى أهل السنة وهذا كذلك غلط. بل أهل السنة يثبتون اليد لله -تعالى- ويعلمون أنها يد حقيقية. وأن له يدين -سبحانه وتعالى- لكن لا نكيف، فنقول: إن يديه مثل يدي المخلوقين، فالذي لا نعلمه الكيفية أما المعنى فمعروف. كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) . فاستواء الله على عرشه معناه معروف، وهو الاستقرار والعلو والارتفاع والصعود. لكن كيفية الاستواء هذا ما لا نعلمه، فلا نقول: استوى كما يستوي الإنسان على الدابة. فهذا هو التشبيه المحرم.
فالخلاصة أن طريقة أهل التفويض، وطريقة أهل التأويل كلتاهما باطلتان. وطريقة أهل السنة هي الصواب، وهو أنهم يثبتون الأسماء والصفات، ويثبتون المعاني لله تعالى. وأنها أسماء حقيقية وصفات حقيقية معلومة المعنى. فالله -تعالى- متصف بالقدرة، ونعلم أن القدرة ضد العجز، والله تعالى متصف بالسمع وأن السمع ضد الصمم، وأن البصر ضد العمى كما قال -صلى الله عليه وسلم-: … (إن ربكم ليس بأعور) لكننا لا نعلم الكيفية.