فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 209

باب قول الله:"فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا"

40 -باب قول الله -تعالى-: فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وقوله جل ذكره: وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وقوله وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ وقال عكرمة: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ و مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فذلك إيمانهم، وهم يعبدون غيره، وما ذكر في خلق أفعال العباد وأكسابهم؛ لقوله -تعالى-: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا وقال مجاهد مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ بالرسالة والعذاب لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ المبلغين المؤدين من الرسل وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ عندنا وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ القرآن وَصَدَّقَ بِهِ المؤمن يقول يوم القيامة: هذا الذي أعطيتني عملت بما فيه.

الشرح:

قوله: فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا أول الآية قوله -تعالى-: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ آية البقرة وهذه الآية من أول الأوامر في القرآن الكريم، والآية الأخرى قوله: وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ والمعنى كيف تجعلون له أندادًا وهو رب العالمين؟!، والآيتان فيهما النهي عن جعل الند مع الله تبارك وتعالى، فمن جعل لله ندًّا مع الله -تبارك وتعالى- وهو معبودهم وخالقهم، فقد أشرك بالله، ومن أشرك بالله، فقد حبط عمله.

والتنديد نوعان:

1 -تنديد أكبر يخرج من الملة: كأن يجعل مع الله ندًّا في الربوبية، أو يجعل مع الله ندًّا في الخلق، فيزعم أن هناك خالقًا مع الله، أو يجعل مع الله ندًّا في الفعل، فيزعم أن هناك من يشارك الله في الفعل، أو يجعل الله ندًّا في الاسم كما تسمى مسيلمة الكذاب بالرحمن، أو يجعل لله ندًّا في الصفة كأن يصف أحدًا بأنه يعلم كعلم الله، أو يقدر كقدرة الله، أو يجعل لله ندًّا في العبادة والألوهية، كأن يجعل لله ندًّا يستحق العبادة يذبح له، ويسجد له، وينذر له وغير ذلك من أنواع العبادات، فمن جعل لله ندًّا في هذه الأمور، فقد أشرك الشرك الأكبر، وحبط عمله.

2 -تنديد أصغر لا يخرج عن الملة: وهو الذي دون الشرك الأكبر كالحلف بغير الله، وقول ما شاء الله وشئت، فهذا شرك بين الله وغيره بالمشيئة، وجاء في الحديث أن رجلا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله ندًّا، قل: ما شاء الله وحده .

قوله -تعالى-: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ بين الله -تعالى- أن من أشرك، فقد حبط عمله، ومن جعل لله ندًّا فقد أشرك وحبط عمله. قوله: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ بين الله -تعالى- أن من صفات عباد الرحمن أنهم لا يجعلون مع الله إلها آخر، ومن جعل ندًّا مع الله، فقد جعل معه إلهًا آخر وحبط عمله. قوله: وقال عكرمة وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ فذلك إيمانهم وهم يعبدون غيره، المعنى أن المشركين بالله، أي: بالربوبية، فيعتقدون أن الله هو الخالق الرازق؛ ولهذا قال: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ هذا إيمانهم، لكن مع ذلك يُشركون في العبادة، تنديد يحبط أعمالهم، ويبطل إيمانهم بربوبية الله. كما أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى لما لم يؤمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - نفى الله عنهم الإيمان بالله واليوم الآخر، فقال -تعالى-: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ فنفى عنهم الإيمان بالله واليوم الآخر. قوله: (وما ذكر في خلق أفعال العباد وأكسابهم...) .

هذا تابع للترجمة، فيكون محل هذا الكلام بعد قوله وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ومعنى كلام المؤلف أن أفعال العباد، وما يكسبونه من الأعمال مخلوق لله -عز وجل- داخل في عموم قوله -تعالى-: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا وقوله وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ فكل شيء في الوجود خلقه الله. وفيه الرد على المعتزلة الذين يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة لهم، وليست مخلوقة لله، بزعمهم أنهم ينزهون الله.

فيقولون: لو قلنا: إن الله خلق أفعال العباد وأكسابهم، ثم عذبهم عليها لكان ظالمًا، ففرارًا من ذلك قالوا: إن العباد خالقون لأفعالهم، فوقعوا في أشر مما فروا منه؛ لأنه يلزم من قولهم هذا أنه يقع في ملك الله ما لا يريد، فالعبد مثلا يريد المعصية والله -تعالى- يريد منه الطاعة، فتغلب إرادة العبد إرادة الله، فتقع المعصية، فيقع في ملك الله ما لا يريد.

ولا شك أن هذا من آثار انحرافهم، عن الكتاب والسنة حيث فروا من شيء، فوقعوا في أشر مما فروا منه. قوله: وقال مجاهد مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ المعنى أن أكساب العباد مخلوقة لله -تعالى- فالملائكة من أفعالها التنزل، وهو مخلوق لله؛ لأن الله خالق كل شيء في هذا الوجود. قوله: لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ المبلغين المؤدين من الرسل، المبلغين من الرسل الذين أدوها بأفعالهم التي هي خلق لله، هذه أعمالهم وهي مخلوقة لله. قوله: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ جاء في تفسيرها أن الذي جاء بالصدق هو محمد -عليه الصلاة والسلام- وصدق به هو أبو بكر -رضي الله عنه-، ويشمل كل مؤمن. قوله: (هذا الذي أعطيتني عملت بما فيه) أي أن من تصديق المؤمنين للقرآن العمل به، وعملهم كسب لهم، وهو مخلوق لله -تعالى-، والقرآن كلام الله غير مخلوق وقد اعتنى البخاري بهذه المسألة، فألف رسالة كاملة سماها خلق أفعال العباد، حيث رد بها على المعتزلة

فائدة:

معتقد الأشاعرة في الكسب غير معقول، وغير متصور، فالأشاعرة جبرية يقولون: إن العباد ليست لهم أفعال، بل هم مجبورون عليها، ثم بعد ذلك يقولون: هناك كسب، كيف يتصور هذا أن يكون، ليس لهم أفعال، ولهم كسب؟ لا شك أن هذا غير متصور، فهذه من المستحيلات الثلاث، وهي: كسب الأشعري، وطفرة النظام ومُحاولات أبي هاشم

فالنظام حينما قيل له: كيف يكون للنملة أن تنتقل من مكان إلى مكان، ولم تتحرك، قال طفرت طفرة؟ فصارت طفرة النظام من الأشياء المعقولة. والأشعري يقول: إن العبد مجبور على فعله، ثم يقول: له كسب، فلا شك أن الكسب غير معقول، ولا قيمة له.

وهنا تنبيه: من أراد بالكسب -كما قصده- الأشاعرة فقوله غير صحيح، أما من أراد بالكسب أي: كسب العمل، فهذا صحيح، فإن الله -تعالى- يقول: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت فالإنسان له كسب وله عمل. وأفعال العباد خلق الله، وكسب للعباد.

فمقصود المؤلف بهذه الترجمة بيان تحريم اتخاذ الند لله، وأن من اتخذ ندًّا مع الله يساويه به في الخلق، أو الفعل، أو الاسم، أو الصفة، أو العبادة، فقد أشرك وحبط عمله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت