فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 209

باب قول الله:"يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ"

حديث:"بعث النبي خاله حراما إلى قومه"

46 -باب قول الله -تعالى-: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وقال الزهري من الله الرسالة، وعلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- البلاغ، وعلينا التسليم وقال الله -تعالى-: لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وقال تعالى: أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وقال كعب بن مالك حين تخلف عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وقالت عائشة إذا أعجبك حسن عمل امرئ فقل: اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ولا يستخفنك أحد، وقال معمر ذَلِكَ الْكِتَابُ هَذَا الْقُرْآنُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ بيان ودلالة كقوله -تعالى- ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ هذا حكم الله لَا رَيْبَ لا شك تِلْكَ آيَاتُ يعني: هذه أعلام القرآن ومثله حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ يعني: بكم، وقال أنس بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- خاله حراما إلى قومه، وقال: أتؤمنوني أبلغ رسالة رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ فجعل يحدثهم .

الشرح:

المراد بهذه الترجمة بيان أن أفعال العباد تنسب إليهم لأن التبليغ فعله بنفسه، والمراد بالتبليغ: أن يبلغ كلام الغير، فالمبلغ شخص يبلغ كلام الغير عن الغير.

فالرسول -صلى الله عليه وسلم- مبلغ عن الله، وليس مبتدئًا للكلام، ولا منشئًا له، بل الذي أنشأ الكلام هو الله -عز وجل- فالله -تعالى- تكلم بالقرآن، والرسول -صلى الله عليه وسلم- بلغه، وتبليغ القرآن فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- منسوب إليه من جملة أفعاله التي هي مخلوقه لله، والكلام لله -عز وجل- ولهذا فإن الإنسان إذا قرأ كلام الغير، فيكون مبلغًا ولا يكون مبتدئًا له، فلو قرأت مثلا قصيدة امرئ القيس

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

.إلخ

فإنك تقول: الكلام ليس لي بل لامرئ القيس، وإنما أنا مبلغ. فدل على أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مبلغ عن الله، والله -تعالى- هو المتكلم بالقرآن، فالقرآن كلام الله غير مخلوق، وأما فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتبليغه فهي أفعال له منسوبة إليه. قوله: (قال الزهري من الله تعالى الرسالة، ومن الرسول البلاغ، وعلينا التسليم) هذا كلام عظيم من الإمام الزهري -رحمه الله- فالله -تعالى- هو الذي أنزل الكتاب، وأرسل الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والرسول -صلى الله عليه وسلم- هو المبلغ عن الله -عز وجل-، ونحن علينا التسليم والانقياد والطاعة.

والشاهد قوله (وعلى الرسول البلاغ) فالبلاغ فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأنه مبلغ عن الله، والكلام كلام الله عز وجل.

قوله: (قد أبلغوا رسالات ربهم) فالرسل عليهم البلاغ، والمبلغ كلام الله عز وجل، وتبليغهم فعل من أفعالهم ينسب إليهم.

قوله: أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي جاء هذا عن نوح وعن هود فنوح وهود مبلغان عن الله، والله -تعالى- هو المتكلم، وتبليغهم فعل من أفعالهم. قوله: وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ نسب العمل إليهم.

قوله: (قالت عائشة إذا أعجبك عمل امرئ، فقل فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ الشاهد أنها -رضي الله عنها- نسبت العمل إليه، فالأعمال أعمال العباد منسوبة إليهم، وليست أفعالا لله، وإن كان الله -تعالى- خلق العباد، وخلق أفعالهم كما قال سبحانه: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ فالعباد باشروا أعمالهم باختيارهم يعاقبون على سيئها، ويثابون على حسنها، قال العيني:(معنى كلامها أي: لا تغتر بعمل أحد، فتزكيه حتى تراه واقفًا على حدود الشريعة) .

قوله: (قال معمر ذَلِكَ الْكِتَابُ هذا القرآن) المراد بمعمر هو ابن المثنى اللغوي المشهور، والمعنى أن تفسير ذَلِكَ الْكِتَابُ هو (هذا القرآن) وتفسير هُدًى لِلْمُتَّقِينَ أنه (بيان ودلالة) وهما نوع من التبليغ، والبيان والدلالة يكون من الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فالقرآن فيه بيان ودلالة، لكن الذي بلغه عن الله -عز وجل- هو رسولنا -صلى الله عليه وسلم- فيكون تبيينه عمل له.

وقوله: ذَلِكَ الْكِتَابُ (ذا) إشارة إلى البعيد وأراد بها الإشارة إلى القريب (هذا) أي: هذا الكتاب، وقوله: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ أي: (هذا حكم الله) فاستعمال الإشارة التي هي للبعيد بمعنى القريب قوله: وَجَرَيْنَ بِهِمْ هذا فيه إثبات الضمير فالمعنى: وجرين بكم، لكن ناب ضمير الغيبة عن ضمير المخاطين، أي: ناب الضمير الذي للبعيد عن الضمير الذي للقريب.

قوله: (وقال أنس وبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- خاله حِراما...) القصة معروفة، وهي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما بعث حراما خال أنس ومعه جماعة إلى قوم من العرب، يبلغونهم رسالات الله، فقال حرام لأصحابه: سأتقدم عليكم فإن أصابني شيء سلمتم، فلما ذهب إليهم قال لهم: أتؤمنوني أبلغ رسالة الرسول -صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: نعم، فجعل -رضي الله عنه- يتحدث، فأشاروا إلى واحد منهم فطعنه من خلفه، فلما نفذت فيه قال: فزت ورب الكعبة فقتل شهيدًا، رضي الله عنه.

والشاهد قوله: (أتؤمنوني، أبلغ رسالة رسول الله؟) فالتبليغ فعله هو منسوب إليه، والمبلغ والكلام ليس له، بل بلاغ الرسول وكلامه، عليه الصلاة والسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت