فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 209

حديث:"اختصمت الجنة والنار إلى ربهما"

7449 -حدثنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم حدثنا يعقوب حدثنا أبي، عن صالح بن كيسان عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: اختصمت الجنة والنار إلى ربهما: فقالت الجنة: يا رب ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم، وقالت النار: يعني: أوثرت بالمتكبرين، فقال الله -تعالى- للجنة: أنت رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها. قال: فأما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدًا، وإنه ينشئ للنار من يشاء، فيلقون فيها، فتقول هل من مزيد، ثلاثًا حتى يضع فيها قدمه فتمتلئ، ويرد بعضها إلى بعض، وتقول قط قط قط .

الشرح:

هذا الحديث فيه ذكر اختصام الجنة والنار عند الله عز وجل.

قوله: (اختصمت الجنة والنار) وفي لفظ احتجت الجنة والنار قوله: (فقالت الجنة يا رب: ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم) وفي لفظ (ضعفاء الناس ومساكينهم) : ومعنى سقطهم، أي: من لا يؤبه لهم الذين كسقط المتاع، ليس لهم مكانة في المجتمع، لكنهم مؤمنون أتقياء، والمراد هنا الأغلب أي: أنه أغلب من يدخلها الضعفاء، وإلا قد يدخلها الأشراف كأشراف الصحابة -رضي الله عنهم- كأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- وعمر وعثمان وعلي كل هؤلاء من الأشراف، وليسوا من السقط، ومع ذلك شهد لهم بالجنة، رضي الله عنهم أجمعين.

قوله: (وقالت: النار يعني: أوثرت بالمتكبرين) : وفي رواية: في المتكبرون والمتجبرون وهذا في الأغلب -أيضا- أن غالب من يدخلها المتكبرون الذين يتكبرون، عن توحيد الله -عز وجل- وجحد حق الله، وكذلك يدخلها المتجبرون الذين يتجبرون على عباد الله بالظلم والطغيان. هؤلاء من أهل النار، وقد يدخل النار غير المتجبرين والمتكبرين من أهل الشرك، ولو كانوا من الضعفاء.

فالأتباع يدخلون النار، وإن لم يكونوا متجبرين ولا متكبرين، قال -تعالى-: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الآية. وفي الآية الأخرى يقول الله -تعالى- عنهم: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ فالأتباع والمتبوعين كلهم في النار، والأتباع في الغالب أنهم غير متجبرين وغير متكبرين.

فلما اختصمت الجنة والنار حكم الله -تعالى- بينهما فقال للجنة: ( أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء) .

قوله: (ولكل واحدة منكما ملؤها) : وفي لفظ: ولكليكما عليّ ملؤها فكل واحدة وعدها الله أن تملأ، فأما الجنة فلا تمتلئ، بل يبقى فيها فضل فينشئ الله -تعالى- لها خلقًا، فيدخلهم الجنة برحمته سبحانه وتعالى. وأما النار فلا تمتلئ، ولكن يلقى فيها، وهي تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه.

وفي لفظ: حتى يضع رب العزة فيها رجله، فينزوي بعضها لبعض، فتقول: قط قط قط وفي لفظ بسكون الطاء. والمعنى حسبي حسبي، أو يكفي يكفي. ففيه إثبات القدم والرجل لله -عز وجل- كما يليق بجلال الله وعظمته، خلافًا لأهل البدع الذين أنكروا القدم والرجل وبالغوا في الإنكار، فأولوها وقالوا: إن معنى قوله: (حتى يضع رب العزة فيها قدمه) : قالوا معنى القدم هنا أي: جماعة من الناس متقدمون يسمون القدم، وكذلك الرجل، تطلق على جماعة من الناس يقال لهم: الرجل، وبعضهم قال: إن هذا من المتشابهات، والحكم فيه إما بالتأويل وإما بالتفويض.

وسبب قولهم هذا أنهم لا يتحملون إثبات الصفات ولا يطيقونها، فهي شجن+ في حلوقهم، أما أهل السنة والجماعة، فأعطاهم الله البصيرة والطمأنينة وانشراح الصدر، ونور بصائرهم، فأثبتوها لله -عز وجل- كما يليق بجلال الله وعظمته والله -تعالى- لا يضره أحد من خلقه، والنار من خلقه، ومع ذلك فلا يضره أحد من خلقه سبحانه وتعالى.

فنؤمن أن الله -تعالى- يضع فيها قدمه على الكيفية التي يعلمها الله، سبحانه وتعالى.

قوله: (وأما النار فينشئ لها خلقًا) : فهذا وهم وانقلاب من بعض الرواة، عند المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ؛ لأن الله -تعالى- من كمال عدله لا يعذب أحدًا من غير ذنب. والصواب: (فأما الجنة فينشئ الله لها خلقًا...) .

وهذا مما ينتقد على الصحيحين. ومثله الحديث الذي رواه مسلم، رحمه الله حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله فانقلب على بعض الرواة، والصواب حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه والشاهد من الحديث قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنة: (أنت رحمتي أرحم بك من أشاء) .

فقوله: (أنت رحمتي) أي: الرحمة المخلوقة، وهي أثر من آثار رحمة الله -عز وجل- التي هي صفة من صفاته.

فائدة:

قول بعض الشراح (لا محذور في تعذيب الله من لا ذنب له، إذ القاعدة القائلة بالحسن والقبح العقليين باطلة...) إلخ.

قلت: هذا الكلام ليس بصحيح، إنما يتمشى هذا الكلام مع مذهب الجبرية والأشاعرة فقوله (لا محذور في تعذيب الله..) على مسألة الحسن والقبح، هذا على مذهب الأشاعرة الذين يقولون: (إنه يجوز لله أن يعذب أحدًا بغير جرم، ولا يكون هذا ظلمًا؛ لأن الله -تعالى- يتصرف في خلقه كيف يشاء، إنما الظلم هو تصرف المالك بغير ملكه) . هذا الكلام باطل كما ذكرت، فالصواب أن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه.

فائدة:

قول الناظم:

ما للعباد عليه حق واجب

كلا ولا سعي لديه ضائع

إن عذبوا فبعدله وإن نعموا

فبفضله وهو الكريم الواسع

هذا الكلام صحيح، وهو مثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم: لو عذب أهل السماوات والأرض لعذبهم، وهو غير ظالم لهم والمعنى لو وضع عدله فيهم، وحاسبهم بنعمه عليهم وأعمالهم لكانوا مدينين، وحينئذ لعذبهم وهو غير ظالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت