الرّحمن الرّحيم في الفاتحة، كرّره بعد ذكره في البسملة تأكيدا لرحمته تعالى، ولأنّه ذكره أولا مع المنعم عليهم فأعاده معهم وهم العالمون، وأشار بالرّحمن إلى أنّه رحمن لجميعهم في الدّنيا، وبالرّحم إلى أنّه خاص بالمؤمنين يوم الدّين، ومنها قوله تعالى في
البقرة: {اهْبِطُوا مِنْهَا} مكرّرا في موضعين، لأن المراد بالأوّل: الهبوط من الجنّة. والثّاني من السّماء.
ومنها قوله فيها: {يُذَبِّحُونَ} بغير واو، وكذا في الأعراف {يَقْتُلُونَ} وفي إبراهيم بالواو، لأن الأوّلين من كلام الله فلم يرد تعداد المحن عليهم والثّالث من كلام موسى لهم فعدّدها عليهم وكان مأمورا بذلك في قوله: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} .
ومنها قوله فيها: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارى وَالصَّابِئِينَ} [ (2) البقرة: 62] وقال في الحجّ: {وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارى} [ (22) الحج: 17] ، وفي المائدة: {وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارى} [ (5) المائدة: 69] لأن النّصارى تقدّم على الصّابئين في الرتبة لأنهم أهل كتاب فقدّمهم في البقرة، والصّابئين تقدّم في الزّمان لأنّهم كانوا قبلهم فقدّمهم في الحجّ، وراعى في المائدة المعنيين فقدّمهم في اللّفظ وأخرهم في التّقدير لأن التقدير: (والصّابئون كذلك) .
ومنها قوله فيها: {اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} [ (2) البقرة: 162] وفي إبراهيم: {هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} [ (14) إبراهيم: 35] لأن الأوّل إشارة إلى غير بلد وهو الوادي قبل بناء الكعبة والثّاني: إشارة إليه بعد بنائها.
ومنها قوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا} [ (2) البقرة: 160] وليس فيه: من بعد ذلك وهو في غيرها، لأنّ هنا «من بعد ما بيّناه» فأغنى عن إعادته.
ومنها في بعض المسبّحات: سبّح وفي بعضها: يسبّح، وهي كلمة استأثر الله بها فأتى بها على جميع وجوهها فذكر المصدر في أوّل الإسراء والماضي والمضارع في المسبّحات، والأمر في الأعلى.
ومنها تكرار (شرّ) أربع مرّات في الفلق لأنّ كلّ شرّ من الأربعة المضاف إليه غير شرّ الآخر.
الفضل: ترك عطف الجمل، والوصل: عطفها. فالأوّل: يكون لفقدان التّغاير ويسمّى: كمال الاتّصال ككون الثّانية تأكيدا للأولى كقوله تعالى: {لَا رَيْبَ فِيهِ} [ (2) البقرة: 2] فإنّه لمّا بولغ في وصفه ببلوغه الدّرجة القصوى في الكمال بجعل المبتدأ (ذلك)
وتعريف الخبر باللّام جاز أن يتوهّم السّامع قبل التّأمّل أنّه ممّا يرمى به جزافا فأتبع نفيا لذلك، وكقوله: {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} فإنّ معناه: أنّه في الهداية بالغ درجة لا يدرك كنهها حتّى كأنّه هداية محضة فهو معنى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} إذ معناه: الكتاب الكامل والمراد كماله في الهداية.